لا أذهب إلى أي مكان، من دون أن يصحبني كتاب لإدواردو غاليانو. هذا الرجل غيّرني، طوّر عقلي، وعمّق فكرتي، ووسّع روحي، لم يترك تفصيلة مستقرة في حياتي إلا ورجّها، ولم يترك إرثاً بليداً إلا ونسفه، حتى قضية بلادي، قضية الحرية والسيادة والكرامة والحقوق الوطنية، صرت، بعد قراءة إدواردو، أراها من منظار آخر. ليست قضيتنا آخر قضايا العالم، كما قد نتوهم، نحن الفلسطينيين الذين أجبرنا على تخيّل مركزية ألمنا وكونيّته، ثمة شعوب أخرى في العالم عانت، وتعاني، من قهر الحاكم وسوء حظ الجغرافيا، ودراما التاريخ. نحن جزء من العالم، من فكرة حرية العالم.
المعانقات، أفواه الزمن، المرايا، وثلاثية ذاكرة النار، أبناء الأيام، وغيرها من الكتب، كتب بلا تصنيف، لا شعر لا سرد، هي فوق الشعر وما بعد السرد، بلا مدارس، بلا خرائط أدبية، تحدد شروطاً للفضاء، أو حدوداً للنص، أو تضبط تدفقاته، نصوص هادئة، مفتوحة على الدفء والسخط والأسئلة والكشف والجمال والحب، ورشاقة اللغة وجنون التاريخ وحزن الجغرافيا، وكآبة الإنسان في كل مكان. نصوص تكتبنا جميعاً نحن البشر الذين نأتي مليئين بالدماء والوحل، دوماً، من بلادنا المتوترة والخائفة والمحاصرة بالتخلف والطغيان والموت السريع والكذب.
لا أستطيع التعامل مع موت إدواردو، وفق نظرية أنه لم يمت، ما دامت كتبه تعيش فينا. هذا كلام سهل جداً ومكرر، وهو أحد طرق البلاغة الحزينة في بحثها العبثي دوماً (معذورة ومفهومة) عن تعويض جمالي لفاجعة غياب شخص عظيم. إن مجرد وجود إدواردو حياً في مكانٍ ما هو إنجاز كبير للبشرية. الكتب وحدها لا تكفي، انتصار الكتب تستمد عافيتها من تنفس كاتبها. في المعنى امتزاج الأثر مع ضحكات صانعه وتنفسه. هذا رجل صانع وفنان، قادم بحماسة من بلاد أوروغواي، وهي بلاد يعود اسمها إلى لغة (غواراني)، حيث تعني النهر، حيث تعيش الطيور الملونة، طفل اللغة والألم والمفارقة والتاريخ الحسّاس الآتي من بلاد الطيور الملونة، لا يمكن أن يكون شخصاً عادياً، لا بد وأن يرى العالم بعينيّ طير لا يكلّ من الطيران وحساسية فائقة للون ما تجاه الضوء والظلال. أبطال إدواردو من قاع المدن، من مهمشيها وفقرائها، هذا ليس غريباً، أو غير مفهوم من ماركسي لينيني فهم جدلية التاريخ، وأدرك البعد الاجتماعي لكل طغيان سياسي، أو قهر قومي. لم يكن هذا العملاق مؤرخاً كما قد يظن بعض قارئيه السطحيّين، ولا مجرد مدوّن أحداث، أو مجرد ثائر على الحكم الديكتاتوري. كان فناناً حساساً جداً، رأى التاريخ بإحساس الفنان وحواسه، لكنه في اللحظة نفسها كان هادئاً في تصوير المشاهد. لم يسقط في التطبيل والانفعال والتحيّز الأعمى للهامش على حساب الحقيقة والصدق الفني.
أحنُّ إلى هذا الكاتب.
- صحيفة الأيام
- ي.ك

