أعاد مشهد قتل الطفل محمد هيثم التميمي (عامان ونصف) في قرية النبي صالح وهو في حضن والده، إلى الذاكرة مشهد قتل الطفل محمد الدرة بينما يحاول الاحتماء بظهر والده في مطلع الانتفاضة الثانية العام 2000. تلك الصورة المثيرة استفزت الرأي العام العالمي وأثارت الجدل في حينه حول واقع الأطفال في فلسطين، بينما صورة الطفل التميمي لم تحظ إلا بالنزر القليل من الاهتمام بعد أكثر من عقدين من الزمن، وتمت إضافة اسم الطفل إلى سجل الشهداء الأطفال، ويبدو أن العالم اعتاد على مثل هذه الأخبار غير العادية التي بات تكرار وقوعها أمرا عاديا.
الفرق بين مقتل الطفلين، أن الطفل الدرة قُتل في مطلع الانتفاضة الثانية بينما كانت الاشتباكات تدور بين الرصاص والحجارة، وكان الشهيد في مرمى نيران جنود الاحتلال، بينما قُتِل التميمي من دون وقوع مواجهات أو عمليات في منطقة النبي صالح حيث تقطن عائلته، رغم أن بلدته المناضلة هي منذ سنوات في قلب استهداف جنود جيش الاحتلال والمستوطنين، لكونها تقع في منطقة مستهدفة من المشروع الاستيطاني الأوسع، وهي محشورة بين جدران ومستوطنات وطرق التفافية ومعسكرات لجيش الاحتلال. كما أن الأطماع الصهيونية التوسعية تُركز على مصادرة الأرض في كل مكان، من بينها أرض النبي صالح التي عرفت بشبابها وفتياتها وأهلها المناضلين والمناضلات، المتأهبين دائما للنضال والدفاع عن بلدهم، فيما الاحتلال ومستوطنوه متأهبون لتفريغ حقدهم من الرصاص والكراهية، فالقرية مستهدفة في هذا الواقع الاستيطاني الذي يُستخدم ضدها كل ما أنتجته عقلية الشر الاستعمارية من أدوات القتل والدمار والتهجير.
في إحصائية جديدة، يتبين أن عدد الأطفال الذين قتلوا من قبل قوات الاحتلال بعد انتهاء الانتفاضة الثانية حوالي 2500 طفل، جُلّهم قضى خلال حروب الإبادة المتكررة على قطاع غزة بشكل دوري، يُقتلون في بيوتهم أو ساحات لعبهم في إطار قصف البنايات والأحياء السكنية تحت عنوان العقوبات الجماعية، بينما يُقتل الأطفال بالرصاص والدهس والحرق في الضفة الغربية والقدس أمام بيوتهم وفي طريقهم إلى مدارسهم وفي المركبات الخاصة والعمومية، من قبل الجيش والمستوطنين عبر خططهم وغاراتهم العسكرية اليومية التي تجعل الأطفال ضحايا دائمين بسبب استهداف القرى والمدن والمخيمات.
قتل أطفال فلسطين المتعمد؛ يتعدى الأرقام والإحصائيات، على أهميتها إلى واقع السياسة المخططة والممنهجة التي تهدف للتخلص من الفلسطينيين وتقليص أعدادهم وتحويلهم إلى أقلية في وطنهم، بالتخلص منهم بجميع فئاتهم الجنسية والعمرية، قتلاً وتهجيراً وإبعاداً، ومنها قتل مستقبل الفلسطينيين بقتل أطفالهم أو التسبب بإعاقتهم الدائمة، ضمن سياسة إقصائية عنصرية باتت معروفة وموثقة بالتقارير الدولية الصادرة عن مؤسسات مستقلة متخصصة، تقرير منظمة العفو الدولية و»هيومن رايتس ووتش» ومنظمة العفو الدولية (امنستي) و»بيتسيلم».
عبر جرائم قتل الأطفال المنهجية والمنظمة، يحاولون الحكم على المستقبل الفلسطيني بالإعدام؛ وقطع الطريق على أن يصبح هؤلاء الأطفال أناسا مبدعين في مختلف مجالات الحياة من إنتاج وعمل وعلوم وفنون ورياضة، ومواطنين أحرارا في وطنهم الحر. هم ليسوا مجرد أرقام، بل هم أحلام بالحرية والاستقلال والتمايز، وإذا ما أضفنا لذلك سياسات الاعتقال حيث يتم اعتقال ما بين 500 إلى 700 طفل في كل عام ويقدمون إلى المحاكم، تتضح الصورة والمخطط الرامي لقتل مستقبل فلسطين في مهده.
في قلب المشهد، ترتكب إسرائيل الجرائم والانتهاكات بحق الأطفال الفلسطينيين دون أي اعتبار للطفولة أو القوانين الدولية، التي تؤكد حماية الأطفال وعدم تعريضهم للمخاطر، بل يشير الواقع إلى ما يتعاكس مع الحقوق والالتزامات حيث يتمتع جيش الاحتلال بالحماية القانونية والسياسية المطلقة، وتمنع سلطات الاحتلال تعريض جنودها للمساءلة والعقاب، وتحميهم بترسانة من القوانين التي تمكّنهم من الإفلات من العقاب، وفي المقابل تحويل أطفال فلسطين إلى مشاريع ضحايا يعيشون المخاطر الدائمة والحرمان من أبسط حقوقهم المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل، وهو ما يؤثر ليس فقط على حياتهم، بل كذلك على صحتهم البدنية والنفسية.
الحماية التي يتمتع بها الاحتلال ومؤسسته العسكرية لا تقتصر على ما توفره دولتهم، بل يتمتعون بالحماية الدولية نتيجة عدم إعمال الوثائق الدولية والتزاماتها بحقهم، وكأن المؤسسات الدولية بدأت بالتنصل من مسؤولياتها تجاه توفير الحماية للفئات الضعيفة خلال الصراعات المسلحة كاتفاقية جنيف والقانون الدولي الإنساني، ما يضعف قناعة المواطنين الفلسطينيين بالسند الحقوقي العاجز عن تحقيق العدالة بعد فقدان الثقة بالمجتمع الدولي ومرجعياته وعدالته، حيث يفقد الفلسطيني حقه في الحياة والأمن. وهو ما تكشَّف بعد الحرب في أوكرانيا. حيث بدأ يتضح بشكل غير قابل للتأويل حقيقة المعايير المزدوجة، والميْل إلى التنصل من المسؤوليات في الحماية، التي تحولت إلى أدوات ابتزاز وترهيب.
إزاء كل ما سبق، نحتاج كفلسطينيين إلى بلورة تفاهمات وطنية جامعة تمكن من صوغ استراتيجية وطنية واشتقاق خطط عمل تمكن من التعامل بشكل ناجع مع هذا الواقع المجحف بكل تعقيداته وتحدياته ومخاطره، ومن دون التقليل من عناصر القوة التي يمكن لنا استنهاضها وتنميتها، وعدم الاكتفاء بتشخيص المشكلات وترداد عبارات التشكي ووصف الواقع المؤلم من دون استكشاف القدرة على تغييره.
- صحيفة الأيام
- ي.ك

