لم يترك مجد كيّال شيئاً إلا وأكله بقدميه في هذه الرواية، هذه الرواية التي سأسميها رواية تحطيم كل شيء، وأجمل ما في هذا النوع من التحطيم هو أنّه لم يأت مفتعلاً، أو متكلّفا، أو مقحماً من الخارج، نهض التحطيم من بيئته وسياقه ومن شخصية مجد الثقافية والاجتماعية، وثقته الحادة وهو يفكك حدثاً سياسياً ومن هشاشته الحزينة في آن أمام امرأة ساحرة لا تقاوم أو رجل عميق غير مفهوم.
قديما قلتها، وأكررها الآن، الرواية الجميلة ستأتي من هناك، أي من فلسطين الداخل، عوامل كثيرة تدفع باتجاه هذا الاحتمال، لا مجال لذكرها الآن، وأستطيع أن أتخيل أن الكثيرين يمكنهم تخيلها.
هل أحببت هذه الرواية؟ الموضوع ليس في الحب، ولكن في الاندهاش وتذوق سؤال جديد والوقوف مسحوراً. تحت جرأتها ومن اقتراحاتها الجمالية اللغوية والمضمونية، لم تعد الرواية عندي لعبة عشق بيني وبين الكاتب، أحب أن يصدمني الروائي في لعبة تحطيم لا ترحم، لعبة السأم من كل شيء، لعبة الإغاظة والشماتة والفضح، لم أعد أبحث عن روايات أحبها، وأنام بعدها وأقول: يا لها من رواية جميلة! سأعيرها غداً لصديق قريب، لم يعد الإحساس هكذا، لقد كبرت بما فيه الكفاية، ونضجت؛ لأعرف أن الأدب محض صدمة ومغامرة.
أشياء كثيرة في الرواية أزعجتني، وكنت سعيداً بهذا الانزعاج، منها: النفور من أهمية محمود درويش المبالغ فيها (وهذا فيه جدال طبيعي كبير)، ما يشبه تصفية الحسابات الشخصية مع رموز ثقافية وسياسية في فلسطين 48).
تكسيره لقواعد اللغة العربية رفعاً لمنصوب، ونصباً لمرفوع، تنوّع خط الرواية ما بين واضح، وبين صغير جداً بحيث ينزعج القارئ من قراءته، وتخرج منه (أف) سئمة، ألم أقل لكم ان مجد كيّال يلعب لعبة الإغاظة؟! لكنّ مجد ليس شخصاً بسيطاً على المستوى الشخصي والثقافي، هو قارئ كبير، ويعيش في سياق ثقافي متنوع وغني، وكل ما يجري حوله يغذيه، ويمدّه بطاقة كتابة، وبخامات ذهنية وفكرية كثيرة ومتنوعة، وهذا ما يجعلني أقرر: هذا كاتب لا يتسلى، ولا يستعرض، ولا يتكلف، هذا كاتب يقول الحقيقة كما يعتقدها، تماماً كما يقولها في البرامج التلفازية حين يكون محللاً سياسياً فيها، واثقاً من حقائقه، ومن آرائه، لكن الفرق الجميل بين المحلل السياسي والكاتب فيه واضح وجليّ، أستطيع تلخيصه بكلمة واحدة: (الذات).
مجد يكتب ذاته بطريقة تبدو ظاهرياً وكأنه يلعب في كل شيء بيديه وعينيه وأقدامه، يحكي عن تجاربه العاطفية والجنسية بطريقة لن يقبلها الكثيرون، ولكن الأدب نفسه سيقبلها، وسيضمها إلى محفوظاته المهمة واللطيفة والجميلة، ولا تقل لي يا مجد، بأن الراوي شخص آخر غيرك، أحب أن تكون الراوي هو أنت، وأظنه هو أنت، ولكن هذا موضوع آخر.
ما أذهلني في الرواية، التفاصيل الصغيرة، وعين الراوي وهو يرصد كلام الشخصيات، ووجوهها، وحركاتها رابطاً إياهاً مع جو الرواية.
(وااااال، وينك من زمان،( وووينك) زماااااااان عنك) هذه الكلمات يرصدها الراوي وهو يصف لقاء الأصدقاء بعد فترة طويلة، يكشف الراوي هنا الابتذال والتسطيح والكلام المكرر والذي لا يعبّر عادة عمّا يحدث في الداخل.
حتى النهاية لم يتركها الراوي كما نرغب، أو ننتظر، أو نشتهي، لم تكن مفتوحة، ولا مغلقة، ولا مؤثرة، ولا مدهشة، من يقرأ نهاية رواية مجد، سيقول في نفسه: وماذا بعد؟ هل نسي الراوي أن يكمل القصة، أم أنه يواصل لعبة الإغاظة، ويقول لنا مجد وهو مستلق على أريكة وفي حضنه جوع هنري مللر وشبق انايسس نن: أنا حرٌ، سأتوقف هنا لأني زهقت أو لأني لا أكترث بتوقعاتكم أو لأني مشغول الآن.
كثيرون سوف يقولون، بأن أصداء كتاب حسين البرغوثي العظيم (الضوء الأزرق) موجودة في هذه الرواية، ربما ذلك صحيح، ولكن ألم يكن هناك أعمال كثيرة عظيمة قرأها حسين، وتركت في داخله أصداء، صاغها على شكل الضوء الأزرق،؟؟ كل الكتّاب أصداء لبعضهم البعض، لا نكتب من بياض أو فراغ، نحن محصّلة قراءتنا وثقافتنا وسياقنا الاجتماعي والثقافي والأسري والتربوي، المسألة هي، كيف نهضم هذه القراءات، وهذه الأصداء، وكيف نحوّلها إلى إبداع شخصي خاص؟!
هذه رواية اسمها (نهر الكرمل) سأحدث عنها طلابي مع بعض الحذر. سألخصها لهم بجملة واحدة: هنا رواية فلسطينية صادقة وصادمة وكاتبها حيفاوي شاب وهو واثق من نفسه وقوي وساحر لدرجة تحطيم كل ما اتُفق عليه.
- صحيفة الأيام
- ي.ك

