ومضات

ومضات
وليد بطراوي
27 مايو 2023

الكراسي

في اليوم الثاني من الحرب على غزة، وجدت نفسي وحيدا في مطعم الفندق الذي أقمت فيه قبل أن أنتقل الى آخر. بعض النزلاء كانوا قد أخلوا المكان، والبعض الآخر التزموا غرفهم. ما العمل إذاً؟ لتسلية نفسي، بدأت اعد الطاولات، ومن ثم الكراسي حول كل طاولة. تعمدت ان أخطئ، حتى أعيد العدد، وهكذا بقيت الى أن انتقلت الى الفندق الآخر، حيث وجدت بعض الأصدقاء وتعرفت على آخرين.

“البحر غضبان ما بيضحكش”

الإطلالة من الفندق خلابة. البحر أمامي، لكنه خال من أي مظهر للحياة. بعض الصيادين جاؤوا، واصطادوا ما استطاعوا، وهو قليل. غايتهم كانت ان يؤمّنوا قوت يومهم. في كل مرة جلست فيها قبالة البحر، أخدت أحسب عدد الموجات في الدقيقة الواحدة، وسيلة أخرى لتمضية الوقت. فالانتظار قاتل، وانتظار المجهول يكاد يفقدك عقلك الذي تحاول جاهداً ان تحافظ على سلامته. لمن يعيش قرب البحر، يرى فيه متنفساً، وفي كل الدول هو واحد من وسائل السفر، الا في غزة فهو يحاصرك، وفي أحيان كثيرة كان مصدراً للقلق، وهو ما ترقبناه طوال الوقت، فالبوارج الإسرائيلية كانت جاهزة. بعد أيام من عد الأمواج، وجدت البحر مملاً، لا يضحك لك، ومغيب الشمس على جماله، الا ان حلكة الظلام بعده، والتي تعني تكثيف القصف الإسرائيلي والرد الفلسطيني، كانت تأخذك الى مزيد من المجهول.

شكراً كورونا

اعتدت الصبر والانتظار، والشكر بالطبع لجائحة كورونا. لم تتملكني الرغبة بمغادرة مكان إقامتي، كما فعل الآخرون. أصبحت الأيام متشابهة، استيقاظ مبكر، انتظار بينما اشاهد البحر. ثم فطور، وانتظار. لم أتناول وجبة الغداء، بل جمعت بينها والعشاء مساء. انتظار مغيب الشمس، ثم جلسة ذكريات، سردت فيها حكايات وحكايات أتمنى أنها لم تكن مملة. وصلنا حتى عام 1994 كما كان صديقي بدر زماعرة يقول كلما هاتفه أحدهم. يحل الليل، اذهب الى الغرفة وانتظر، النوم متقطع.

زننننننننننننننننننننننننننننن

أربع وعشرون ساعة وطائرة الاستطلاع “الزنانة” تزن فوق رأسنا، توتر وانتظار ما سيحدث. هل هي تراقبنا أم أنها ستضرب مرة أخرى؟ كيف يستطيع أهل غزة تحملها على مدار العام! في احد الأيام، ظننت أنني لا أسمعها، لكن من حولي نبهوني الى أنني ربما اعتدت عليها، فجأت سمعتها “زنننننننننننننننننننننننننننننننن” وما زال طنينها في أذني.

لو كنت مسؤولاً

الآن وبعد أسبوعين على الحرب في غزة، أما آن الأوان لمسؤول، لأي مسؤول ان يزورها. لم أتمنَّ مرة أن أكون مسؤولاً، ولكنني هذه المرة أتمنى ذلك، لأذهب الى هناك.

الشاطر أنا

مش ممكن أبداً أنك تتشاطر وقت الحرب، حطيت شطارتي ع جنب، كل اللي كنت افكر فيه كيف الناس في غزة عايشة وكيف قادرين يتحملوا هذا الضغط الكبير، وكيف ممكن يرجعوا لحياتهم “الطبيعية” بعد ما تخلص الحرب، وكيف الأطفال اللي شافوا الرعب ممكن يقدروا يتعايشوا مع خوفهم، وطبعاً كيف أظل مِتماسك لما أحكي مع عيلتي اللي شايفة الأخبار ومش مصدقة إنه أنا في أمان، مع إني مش في أمان.

  • صحيفة الأيام
  • ي.ك