في الأسبوعين الأخيرين، قرأت ديوان شعر الأسير أحمد العارضة «خلل طفيف في السفرجل» وسئلت من سامي أبو سالم – أستاذ من غزة – عن حضور يافا في أدبنا، وأصغيت إلى قصيدة الجواهري الشاعر العراقي في يافا بعد أن زارها قبل العام ١٩٤٨، وكنت كتبت عن رواية سعاد العامري «بدلة إنكليزية وبقرة يهودية» التي حضرت فيها يافا، حتى لتعد رواية مدينة بامتياز، وقبل أعوام، كتبت عن زياراتي للمدينة، مازجا بين ما رأيته منها وما بقي عالقا في ذاكرتي مما قرأته عنها في الشعر، وكنت قرأت عنها في أشعار راشد حسين ومحمود درويش وسيرة سميح القاسم الذاتية «إنها مجرد منفضة» وقصة أكرم هنية «دروب جميلة»، وروايات وفاء أبو شميس التي ولدت في بلاطة لأسرة لاجئة «من أجل عينيك الخضراوين»، ورشاد أبو شاور الذي روى ما سمعه من أبيه عن زيارته يافا قبل ١٩٤٨ «وداعا يا زكرين» وعاطف أبو سيف الذي عرف المدينة «الحاجة كريستينا» و»حياة معلقة» و»الجنة المقفلة»، وأنور حامد الذي زارها «يافا تعد قهوة الصباح»، والمتوكل طه الذي سمع حكايات المدينة من ابنها أبو صبحي (إسماعيل أبو شحادة) «وريث يافا»، ونوال حلاوة النابلسية التي عاشت طفولتها في يافا «الست زبيدة»، واللبناني إلياس خوري الذي قرأ عنها وتجول فيها عبر مشاهدة أشرطة فيديو «أولاد الغيتو: نجمة البحر» و «كأنها نائمة».
الأدباء الذين انحدروا من أسر يافاوية هم وفاء وسعاد وعاطف وأنا، وأما البقية فهم من ريف فلسطين أو من لبنان، وأما أحمد العارضة فجده من يازور التابعة ليافا، ولا أعرف عن علاقته بها إن كان قبل أن يسجن في العام ٢٠٠٤ زارها أو عمل فيها، ولكنها في الديوان تبدو مدينته المنظور إليها يتغنى بها كما لو أنه ولد فيها ونشأ بين أحضانها. إن حضور يافا في الديوان لافت، ولكننا بالتأكيد لا نعرف عنها قدر ما نعرفه بعد قراءة رواية العامري التي حين تصغي إليها تتكلم، وهي المولودة في المنفى، تصغي إلى لهجة أهل يافا الذين نشؤوا فيها وحملوا معهم لهجتها إلى الشتات.
عندما قرأت رواية أنور حامد لم أعثر فيها على يافا، بخلاف رواية سعاد، وعندما طلب مني إخوة الأسير باسم الخندقجي المولود في نابلس أن أقرأ مخطوطته «أنفاس امرأة مخذولة» أفصحت عن رأيي دون مجاملة: هذه رواية صلتها بيافا ضعيفة ولهجة شخوصها اليافاويين ليست يافاوية، ولم أقرأ الرواية بعد صدورها.
الأسئلة التي صارت تراودني هي: ماذا تعني يافا لكل من كتب عنها؟ لماذا تكاثرت الكتابة عنها في الأعوام الأخيرة؟ هل ثمة ما هو مشترك في الكتابة عنها بين الكتاب؟ ما الصورة التي بدت لها في النصوص متعددة الأجناس الأدبية؟
ولن يخفى على أحد أن الصورة التي في قصيدة راشد حسين «الحب والغيتو» ١٩٦٤، وفي التقرير الذي ألحقه القاسم بسيرته، وكان كتبه في ١٩٦٦، هي صورة صادمة حزينة تبعث الأسى في النفس، وهي مختلفة تماما عن الصورة التي تظهر في قصة هنية ورواية العامري، إذ الصورة هنا جميلة ومشرقة تبعث الفرح.
كتب راشد وسميح عن يافا بعد أن هجر أهلها وصارت مدينة أشباح، وكتب هنية والعامري عما كانت عليه المدينة قبل عام النكبة؛ أيام كانت مدينة مهنتها تصدير برتقال، لا مدينة توزع الحشيش، وهو ما صارت عليه بعد النكبة، والتعبير لراشد حسين في قصيدته، وأما وريث يافا الذي عاش حياته كلها في المدينة؛ قبل العام ١٩٤٨ وبعده، فقد حكى عن الصورتين، ولطالما أصغيت إليه يتكلم عبر أشرطة فيديو والحزن يقطر من كلامه ويكاد يبكي، ولن أنسى قوله: اشتمني واشتم أبي فقد أسامحك ولكني إن شتمت يافا فلن أسامحك.
تحضر يافا إذن في ديوان أحمد، فكيف حضرت؟
يتكرر حضورها في غير قصيدة أبرزها «حبيبتي» حيث يتكرر ست مرات يخاطب فيها المدينة ويبين مكانتها في قلبه «قبلة القلب الطري» التي كانت موطنه، ولأجلها يصعد إلى الأعالي في القصيدة ليرتجل شعرا جديدا «يرتقي لبكاء يافا».
في قصيدة «خلل طفيف في السفرجل» فإن ما قاد الشاعر للنزف دهرا هو أن يافا بدت في دائرتيها سفرجلة صغيرة. هنا لا يكتب عن يافا وحسب كمدينة تركت أثرا عليه وإنما عن رفات قراها المهجرة الشريدة ومصير أهلها المعلقين المقهورين. أهي صورة الشمس وهي تغرب وتسقط في بحر يافا أم بيارات برتقالها هو ما أوحى له بالشبه؟:
«خلل طفيف/ حين تختلط القرى فيه/ بشامات السفرجل/ ترتخي الأغصان مثقلة/ وتهصر ثم يلتحم المشبه بالشبيه».
كتب محمود درويش قصيدة «عائد إلى يافا» يرثي فيها «أبو علي إياد»، وفيها ورد «ويافا حقائب منسية في قطار» والسؤال هو:
هل استرجع الكتاب الفلسطينيون في نصوصهم تلك الحقائب؟
- صحيفة الأيام
- ي.ك

