فجر كل يوم، وقبل أن أنهض من فراشي، أقول لنفسي هذه الجملة: ها هو يوم آخر بلا قريتي، لا أبالغ، ولا أقول شعراً، ولا أعبّئ مساحة مقالي الأسبوعي. القصة صارت كبيرة داخلي، ثمّة هواء واسع محجوز لي هناك لا أستطيع تنفسه، تربة خصبة وصخور وهضاب واحتمال جاهز لزيارة البحر في أي وقت.
لا أستطيع أن أفصل نفسي عن هذا الحق، لم أعش هناك لحظة، زرتُ كثيراً قريتي المهجّرة المدمّرة كلاجئ في رام الله، هم يسمحون لنا بالدخول، يظنّون أن هذا قد يخفّف من لوعة الشوق، ويربي داخلنا خاصيّة التعوّد القاتلة.
(لندعهم يدخلون، يبكون قليلاً، ثم يعودون إلى المدينة، يواصلون حياتهم الطبيعية)، هكذا أتخيّلهم يحللون ويخططون، لكنّ ذلك غير صحيح، يعرفون أنّ خاصية التعوّد غير مفعّلة داخل اللاجئ الفلسطيني.
أتذكّر أن آخر زيارة لي للبلد قبل أشهر، كنّا مجموعة من الأقارب والأصدقاء، نتجّوّل، بحماسة أطفال، نصعد الهضاب وننزلها متحمسين، متأثرين، دامعين، وكأن النكبة قد حدثت قبل ساعة مثلاً، هذا ما يحدث للكل، سمعتُ هذا الكلام بهذه الروحية المقاتلة عشرات المرات: “صرت زاير البلد ألف مرة، في كل مرة بشعر أنها أول مرة، مشاعري بتكون بدها تتفجر من الغضب والحسرة”.
لا اعتياد على الجرح يا محتلين، سيظل مفتوحاً ومدّمى، شاهراً علامته ورمزيّته ومطلبه الوحيد، وهو العودة إلى أصل الأشياء.
غداً، هو يوم آخر في المخيم، يوم لا أكون فيه في قريتي.
- صحيفة الأيام
- ي.ك

