مِنَ اليَومِ تَعارَفنا وَنَطوي ما جَرى مِنّا وَلا كانَ وَلا صارَ وَلا قُلتُم وَلا قُلنا!
هل من خطوة، الآن، مبنية على الثقة والفعل المسؤول، تذهب بنا إلى الأمام لنتناسى قليلا ما صدر من الحكومة من فعل وردود فعل جموع المعلمين آخرها البيان السريع على مقترح الحكومة الذي تلاه الناطق الإعلامي عصر الخميس؟ هل من خطوة جريئة نستعيد فيها فرح المدارس، غدا الأحد، من خلال كلمة شرف بما يخص التزام الطرفين، ليصيرا طرفا واحدا باتجاه الحل الآن ومستقبلا؟
سنعود إلى كلمات قصيدة البهاء زهير التي بدأت بها عبارة المقال الافتتاحية، حيث ما زلت أتذكر معلم اللغة العربية وهو يتحدث بإنسانية عن التصالح والتسامح، حتى ظل جوهر هذا المعنى في رؤوس أبناء جيلي حتى كتابة هذه الأسطر، ولعل آخرين قرؤوا ويقرؤون.
لأن تكويننا الفكري والقيمي يعود إلى المعلمين أولا، فما زلنا نذكر دوما ما تعلمناه منهم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، وهم من تعلموه من معلمين قبلهم، وصولا إلى المعلمين الأوائل.
كثير من الفعل هو ما نحتاج، وإذا كانت الحكمة ضالة المؤمن، فإن الإرادة هي شرط الحصول عليها، لا التمني.
من الآخر، هل نتحدث نقابيا أم وطنيا أم سياسيا؟
اللهم ألهمنا الحكمة وفعل الحق، لو نستمع لقلوبنا، فكل كلمة مسؤولية، كل فعل، لنترك المعلم يختار الحكمة التي هي ضالة المؤمن بعيدا أي فعل. لسنا طرفا مع أو ضد. نحن مع الحكمة وذكاء التقاط فعل مسؤول، ونحن ضد كل قول أو فعل شعبوي سطحي يسعى وراء غرض.
هل من سعة قلب وصدر؟
من المهم التذكير بأمور: حقوقنا المالية المترتبة على كون السلطة الوطنية تمت بعقد دولي، وحقوقنا المالية لدى إسرائيل، التي تقتطع منا تجبيه، بل وحقوق الشعب تحت الاحتلال، بما يترتب عليه من دفعه للشعب تحت سلطته. كذلك من المهم التذكير بالعدالة الاجتماعية، خاصة فيما يتعلق بالفروقات بين الرواتب والامتيازات، لتكون في حد مقبول. ومن المهم التذكير بأن الموظفين هم معلمون وغير معلمين، وأن أي إنصاف يجب أن يشمل غير المعلمين العاملين في الوظيفة العمومية الذين يتقاضون أجورا أقل من زملائهم المعلمين.
الأمر الآخر الذي ندعو له، كما دعونا له في مقال سابق، فإنه ومن باب الشفافية والحكم الصالح، وفي ظل تجميد المجلس التشريعي، يمكن لسيادة الرئيس، أو رئيس الحكومة إصدار مرسوم بإنشاء لجنة مراقبة حال المال العام، فيها ممثلون عن قطاعات المجتمع، بما يشمل نقابات مؤثرة، ومنها نقابة (اتحاد) المعلمين، تتولى البحث في مسألة الميزانية، ليكون الكل مسؤولا فعلا، حتى إذا ذكرت الحكومة بأن باقي الـ 15% من زيادة طبيعة المهنة وما تبقى من الرواتب للمعلمين وباقي الموظفين المدنيين والعسكريين ستصرف حين تأمين الأموال، تكون اللجنة شاهدة على ذلك، بمعنى أن الصرف يكون فعلا حسب ما يتجمع من مال.
إن صدقت الحكومة في مسألة المال، ونظنها كذلك، فإن صرف الـ 5% في راتب شهر آذار، وجدولة شهري كانون الثاني وشباط لتصرف فيما بعد وليس بعيدا، وتثبيت الـ 15% على قسائم الرواتب، يعني حلا مرضيا كريما يحفظ وجوه الجميع، خصوصا مع التوجه فعليا إلى دمقرطة الجسم التمثيلي للمعلمين، والذي صار في أعلى أولويات «حراك المعلمين».
قديما، تعلمنا على أيدي معلمينا ومعلماتنا: «إذا أردت أن تطاع فسل ما يستطاع»، فليس من الحكمة «عصر الحكومة»؛ لأن إيصال الحكومة مثلا إلى الاستقالة، لن يعني أن القادم في ظل أوضاع كهذه، سيكون مفتاح السر لكل حلولنا الاقتصادية، إلا إذا ارتبط ذلك بمواقف سياسية قد نضطر جميعا لدفع أثمان مقابلها، ستؤثر سلبا على مستقبلنا السياسي، خصوصا في ظل اتجاه إسرائيلي معلن لضرب المشروع الوطني، بصرف النظر عن مدى الرضا عن القيادة السياسة والحكومة.
من المهم فعلا استعادة الثقة بين جموع الشعب وليس فقط الموظفين، والحكم، فإن لم يتم ذلك، فإن أي تغيير حكومي (باعتبار وجود محتمل ما بين إضراب المعلمين واستقالة الحكومة أو إقالتها) لا يؤدي الهدف المنشود، سيعني تكرار الحال.
لسنا ملائكة، ولا رسلا، ولكن كاد المعلم أن يكون كذلك؛ فبحق هذا الوصف، وبحق كل كلمة فيها تقوى الله ومصلحة الجميع، هل يمكن فعلا وبصراحة أن نكون شفافين، في منطلقاتنا الذاتية، بحيث نرجح المصلحة العامة على مصالحنا؛ ونحن أدرى باتجاهاتنا، أفرادا وقادة، أكانوا قادة حراك أو قادة وطنيين، أو حكوميين؛ فلن نستفيد فعلا من هذا الصراع والعناد (الكفر عناد)، ولن نستفيد من كيل الاتهامات لبعضنا بعضا.
بقي بعض الوقت للبهاء زهير لنقرأ ونتذكر أيام المدرسة الأجمل في حياتنا:
مِنَ اليَومِ تَعارَفنا وَنَطوي ما جَرى مِنّا
وَلا كانَ وَلا صارَ وَلا قُلتُم وَلا قُلنا
وَإِن كانَ وَلا بُدٌّ مِنَ العَتبِ فَبِالحُسنى
فَقد قيلَ لَنا عَنكُم كَما قيلَ لَكُم عَنّا
كَفى ما كانَ مِن هَجرٍ وَقد ذُقتُم وَقَد ذُقنا
وَما أَحسَنَ أَن نَرجِعَ لِلوَصلِ كَما كُنّا
كنت إلى فترة قريبة أظن أن الشاعر بهاء الدين زهير ينتمي إلى عصر قريب، لكنني فوجئت بأنه مولود في آخر القرن السادس الهجري، أي قبل 8 قرون. أما ظني بأنه شاعر حديث فكان بسبب لغته القريبة، حتى أن ابن خلكان المؤرخ الشعري وصف شعره بقوله «وشعره كله لطيف وهو كما يقال السهل الممتنع».
في البحث، وقفت عند وصف ابن خلكان في ترجمته للشاعر: «اجتمعت به ورأيته فوق ما سمعت عنه من مكارم الأخلاق وكثرة الرياضة ودماثة السجايا، وكان متمكنا من صاحبه كبير القدر عنده، لا يطلع على سره الخفي غيره. ومع هذا كله، فإنه كان لا يتوسط عنده إلا بالخير. ونفع خلقا كثيرا بحسن وساطته وجميل سفارته.
في هذه الأيام الصعبة أتذكر أن أهم من أثروا بنا هم المعلمون، الرحمة لأرواح من رحلوا، ومنح الله المعلمين الصحة والعافية.
لنصغ لقلوبنا، للحكمة، والأمل أن يقودنا المعلمون لما هو خير.
إنهم المعلمون والمعلمات، وسيدخلون الفرحة إلى قلوب شعب حزين.
اللهم جنبنا التشتت والاغتراب والفتنة.
لن أقول للمعلمين والمعلمات افعلوا/ افعلن، ولكنني أثق في قلوبهم وقلوبهن البوصلة. وسنتقبل اختيارهم الحر الطوعي المسؤول، بعيدا عما يضطرب من أفعال وردود أفعال، فقلوبكم وعقولكم هي من ستتسعنا جميعا.
عندما تصحو أيها المعلم الجليل والمعلمة الجليلة صباح الغد، وفي خلوة مع النفس، واليد على القلب تستفتيه، ليكن قراركما نابعا من هذه النفس الجميلة المطمئنة، صاحبة الرسالة الأكثر قدسية.
- صحيفة الأيام
- ي.ك

