صوت البلد ورمضان

صوت البلد ورمضان
صلاح هنية
25 مارس 2023

ازدانت البلد في رمضان بكل أحيائها ونوافذ منازلها، واجتهد كلٌ على قدر إمكانياته لنشر الفرح عبر الزينة والإنارة وغيرها، الكل يزيّن ويضيء لكنه يتذكر عزيزاً في الأسر وجريحاً وشهيداً، ويتنهد بعمق لكنه مصر على صناعة الأمل لأجل غد أفضل.

كنا في البلد ونحن فتية نخوض غمار العمل التطوعي ونقاش كتب في مكتبة رام الله العامة ومكتبة البيرة العامة، وكنا نخوض موهبة التمثيل المسرحي، لم نكن نعهد البلد تتزين في رمضان، ولا يجتهد أحد في الزينة، ولم نكن نعرف شيئاً عن فانوس رمضان، إلا عبر التلفاز الأبيض والأسود وعبر المجلات والصحف المصرية التي كانت تحدثنا في ذاك الزمان عن الفانوس، ولم يكن آباؤنا وأمهاتنا ينشغلون بهذا الأمر مطلقاً، ولم يترافق ذلك مع الإفراط في الطعام والشراب لأن الناس في ذلك الزمان لم يكونوا بهذا الاتجاه.

في فترة متأخرة من الزمن، ونحن هنا نتحدث عن أواسط الثمانينات بمعنى 1988 مثلاً وما تلاها، بات هناك تقليد جوهره استقطاب الناس ليكون في المساجد للصلاة، بحيث نُظمت موائد الإفطار في المساجد تلك الفترة، وكان يعلن أن ابو فلان وعلان هم الذين تبرعوا، وتتعاظم تلك الموائد في ليلة القدر لإبقاء الناس أطول ساعات في المساجد، وكان واعظ في هذا المسجد وآخر في مسجد آخر يتفنن في تقديم موعظة تخاطب العقل والقلب، وفي نهايتها يقبَّل رأس إمام المسجد لأنه أتم تلاوة القرآن كاملاً في ليالي رمضان، ومن هنا برز شكل من أشكال التعاطي مع رمضان عبر الطعام ليستقطب للصلاة والاعتكاف في المساجد.

تميز رمضان تاريخياً بأنه مرتبط بالطفولة والشباب والمرأة، كان يُقال ( صيام درج المئذنة) للأطفال بحيث يتدرجون حتى يصلوا سن الصيام الذي يناسب قدراتهم، وصيام ربة البيت والمرأة العاملة وغيرهم، وكلٌ له وصفة تناسبه وتحثه صوب الصيام.

لم تشهد البلد زمان ولائمَ تجمع الأعداد الضخمة، بل كانت جمعات عائلية وتمتد لتشمل أطراف الحمولة، وتطورت الأمور باتجاه ولائم تنظمها جهات عدة متنوعة ويكون روادها هم ذات الاشخاص مع بعض التحديثات.

تجمع الناس بمختلف الفئات العمرية والنوع الاجتماعي والفئات العمرية لإنارة فانوس رمضان هنا وهناك، ليقتنصوا بعضاً من الفرح رغم الألم، فرحوا على أصوات اناشيد اسلامية لاقت رواجاً واسعاً بدايةً في المسجد الأقصى، وتطورت عبر فضائيات تنوعت بين أداء سوري ومصري باتت منتشرة عربياً بشكل واسع، ولم يكن الحضور غريباً عن هذه الأجواء بالمطلق بل كان قادراً على الترديد والمشاركة.

وتجتمع الأسرة في اليوم الأول من رمضان وتستمر في الاجتماع وتستذكر اياماً جميلة من الماضي عن جيرة طيبة، ونسيب طيب، وطبيب قديم كان يجعل من عيادته كأنها دائرة صحة عامة، وعن أستاذ مدرسة كان يسكن المخزن في الطابق الأرضي من المنزل، وعن العلاقة المسيحية الإسلامية في رمضان، حيث يدعو الجيران بعضهم البعض للقطايف ويبادلونهم الدعوة في عيد الفصح، ويتذكرون الصحيفة التي كانت توضع أمام الباب صباح كل يوم.

ويذهب الناس صوب المسجد لصلاة التراويح للإمام الذي يروق لهم، رغم أن بعض المشايخ لا يفضلون التنقل بين المساجد، ولكن الناس تتعلق بالمسجد ارتباطاً بالإمام وبالموعظة، واعتاد الناس نصائح إمام المسجد التي تحمل بعضاً من الصرامة، وبالمقابل لديه ميزات تخفف من وقع الصرامة. ويتواصل النقاش حول إطالة هذا الإمام للموعظة وتخفيف ذاك الإمام، وهذه مقارنات تستمر وتطول.

ويستمر النقاش في رمضان حول وقت الدوام، خصوصاً أولئك الذين يعملون في ساعات المساء ما بعد الإفطار ومدى التوافق مع موعد صلاة العشاء.

وتتصاعد حالة العطاء والجود بطرود العطاء والخير والتبرعات وتخصيص الأيتام والمحتاجين بها، وتزدهر التكايا في مواقع متعددة. وهذه ميزات رمضان دون إسراف وتبذير.

 

  • صحيفة الايام
  • ي.ك