مجرى الذهب

مجرى الذهب
زياد خدّاش
09 مارس 2023
كنت أحب الله والمعرفة، جميلاً مثل غيمة تقترب كثيراً من حقل، هكذا وصفني أبي، ووافقه فوراً الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان، كنت أكره البدع، سموني قديس الحقيقة، أما تسابيحي وترانيمي فقد سموها (مجرى الذهب).

أحبتني بجنون جارية اسمها (حقل) من جواري الخليفة يزيد بن عبد الملك، قالت لي وهي تدخل غرفتي دون إذن: يا عاشق المعرفة، لم تحرم جسمك من معرفته؟ ارتعبت من طلبها، فقفزت من نافذة غرفتي في القصر، كسرت ساقي.

لم يصدقني أحد، كانت يدي تجلس بجانبي مقطوعة من كتفي، الدم ينزف بغزارة، ركعت تحت أيقونة القديسة مريم، ألصقت يدي المقطوعة بزندي، وطلبت شفاعتها أمام الرب، أغمضت عيني، وسمعت صوت مريم: هذا شفاؤك جاهزاً.

لم يصدقني أحد، عادت يدي إلى زندي، يدي التي قطعها كارهو الأيقونات المقدسة، اسمي منصور وأبي اسمه سرجون، ولدت في دمشق العام 676م، عشت في بلاط خلفاء الدولة الأموية، حصلت على علم كثير على يد راهب صقلي أسره المسلمون في معاركهم على سواحل إيطاليا، لماذا يخاف الكهنة من المعرفة يا الله؟ يوماً ما

صرت ضحية وشاية من إمبراطور القسطنطينية لخليفة المسلمين: هذا الرجل الذي في بلاطك يهرطق يا خليفة المسلمين.

طردني الخليفة من قصره، أخرجني الحراس بطريقة مهينة، رفضوا أن آخذ معي كتبي، لم يسمحوا لي بالخروج بملابس كاملة، هربت في الصباح إلى دير بعيد في فلسطين هو دير(مارسابا)، أردت عيشاً بسيطاً بعيداً عن الخلفاء والسلطة وصراعات الكهنة، صار اسمي هنا يوحنا الدمشقي، كنت ما زلت أحب الله والمعرفة، وعاشقاً وحارساً لفكرة الأيقونات المقدسة، لكن حارس الدير، هددني منذ لحظة وصولي: إياك واستخدام معرفتك في التفكير هنا، امح ذاكرتك وعش أبله مثل عنزة هشة تطيرها ريح وادي قدرون، ظل الحارس يتلصص من خلف باب غرفتي التي اختارها لي قريبة من غرفته حتى يتجسس على نشاط عقلي.

في صباح ما، مات شقيق راهب صديق لي في الدير، جاءني يبكي وهو يتوسل لي بكتابة ترنيمة حزن لشقيقه، لم أستطع أن أقاوم فلحنت وكتبت له الترنيمة، جن جنون حارس الدير، وعاقبني بتنظيف مراحيض الدير والامتناع عن أي عمل كنسي، تدخل لصالحي كهنة الدير: أتسد الينبوع يا حارس الدير، فلا يجري ولا يفيض؟
استجاب الحارس لطلب الكهنة معتذراً لي عن غباوته، وأعادني إلى غرفتي، وطلب مني أن أفيض بالمعرفة.

في مساء شتوي عاصف، من العام 749 م سمعت الكهنة حولي يتشاورون حول مكان دفني، ابتسمت، فالمكان ليس مهماً، المهم أن روحي، ستظل تخفق كلما شهق سائح وهو يحدق في أيقونات القديسين، وتمايل كاهن وهو يتلو ترانيمي في كنائس العالم.

 

  • صحيفة الأيام
  • ي.ك