التغيرات المناخية.. والكوارث الطبيعية

التغيرات المناخية... والكوارث الطبيعية
عقل أبو قرع
12 فبراير 2023

قد لا تتوفر الأدلة العلمية والبحثية في الوقت الحالي لربط التغيرات المناخية العنيفة التي تهز العالم مع ما يحدث من زلازل قوية وغير مسبوقة، مثل ما حدث في تركيا وسورية وغيرهما من المناطق ومنها فلسطين خلال الأيام القليلة الماضية، رغم انه وبشكل نظري يمكن القول أو الاعتقاد أن ما يؤثر على ظاهرة معينة في هذا الكوكب قد تكون له تداعيات مباشرة أو غير مباشرة على ظواهر أخرى ليست في الحسبان ومنها الزلازل بمواقعها وبحدتها، سواء بشكل تراكمي بعيد المدى أو بشكل فوري.

وكذلك ربما في يوم ما ونتيجة أبحاث علمية قد نجد هناك رابطا مباشرا أو غير مباشر بين التغيرات المناخية وبين ما يحدث لحركات لطبقات الأرض وبشكل عنيف وما لذلك من تداعيات مميتة ومذهلة كما نشاهد هذه الأيام، وبعيدا عن الزلازل والبراكين وحركات طبقات أو صفائح الأرض، فدون شك أن هناك علاقة مباشرة بين التداعيات البيئية التي أحدثها البشر وما نتج عنها من تغيرات مناخية تشهدها العديد من دول العالم وبين كوارث طبيعية عديدة، مثل الفيضانات والتصحر وتغيرات الطقس العنيفة في الزمان والمكان، وشح المياه والمجاعات الناتجة عن تداعي الأمن الغذائي بالنوعية والكمية وتفشي أوبئة وانتشار حشرات لم نعتد عليها من قبل.

وتزداد شدة تداعيات التغيرات المناخية العنيفة التي تعصف بالكرة الأرضية، رغم دق ناقوس الخطر الحقيقي من الصورة القاتمة التي وصلت إليها الأرض وما تحويه من نظام بيئي، بسبب تعمق وتفاقم وتواصل النشاطات البشرية التي ما زالت تساهم في التلوث بأنواعه، وبالأخص تلوث الهواء، ومن ثم الاحتباس الحراري وتشكل ما بات يعرف بغازات الدفيئة، وانعكاسات ذلك من خلال ارتفاع درجة حرارة الأرض الكبير والمستدام  خلال السنوات الماضية، وتضاؤل كمية الأمطار، وتشكل الأمطار الحمضية، والتصحر أي عدم القدرة على زراعة التربة أو المحاصيل أو الجفاف وتهديد التنوع الحيوي، وتفشي الآفات المختلفة ومنها الجديدة وبالتالي انتشار الأمراض المعدية، وتداعي الأمن الغذائي، وتلوث المياه، وذوبان الجليد والفيضانات وما يمكن أن يجر ذلك من كوارث لم يعتدها نظامنا البيئي من قبل.

وبصرف النظر عن القرارات التي تم اتخاذها في قمم المناخ الكثيرة التي عقدت، أو في غيرها من القمم، فيما يتعلق بمحاربة التلوث التي تساهم به بشكل كبير دول صناعية كبرى مثل الصين والولايات المتحدة والهند والبرازيل وغيرها، وبصرف النظر عن الآلية التي تم وضعها للتطبيق العملي لهذه القرارات والتي تهدف في الأساس إلى تقليل كمية الغازات الملوثة التي يتم بثها إلى الجو، والى التوجه أكثر نحو مصادر الطاقة النظيفة أو الخضراء، إلا أن الآثار والتداعيات البيئية والصحية التي أحدثتها وما زالت تحدثها هذه الدول بفعل الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية قد شملت معظم دول العالم، وبالأخص الدول الفقيرة التي لا تساهم بشكل ما في إحداث التغيرات المناخية ولكن تتحمل العواقب والآثار بشكل أكثر إيلاما.

ومع الذهول الذي يجتاح العالم من تداعيات الزلازل في تركيا وسورية هذه الأيام، ومع تجاوز أعداد الضحايا عشرات الآلاف ومع الصور من المآسي والفواجع التي نشاهدها،  ومع دق ناقوس الخطر الحقيقي لكوكب الأرض، ومع تواصل غياب العدالة المناخية في هذا العالم، أي تأثر المناطق الضعيفة أكثر بما تقوم به المناطق القوية والغنية، فنحن في فلسطين، ورغم أننا لسنا بالبلد الصناعي أو الزراعي ذي التأثير الملموس على البيئة والمناخ في العالم، إلا أننا اصبحنا نتأثر بما يقوم به الآخرون في العالم.

وبسبب البقعة الجغرافية الضيقة عندنا، والمصادر الطبيعية المحدودة، والتنافس الشرس على هذه المصادر، فقد يكون هذا التأثير علينا كبيرا وملموسا، وربما بدأنا نلمس آثاره في مجالات المياه والإنتاج الغذائي والجفاف والتصحر وتراكم النفايات وانتشار الآفات واستخدام المواد الكيميائية، وهذا التأثير له أبعاد واضحة من منظور النوع الاجتماعي، حيث تتأثر المرأة وبالأخص المرأة الريفية المزارعة اكثر من هذه التغيرات، وفي المجالات الصحية والاجتماعية والاقتصادية المتعددة التي تؤثر على طبيعة حياتنا اليومية، وقد لا يكون الوقت بعيدا حين تصبح العلاقة واضحة بين التغيرات المناخية في العالم وبين كوارث طبيعية لم نعتد عليها أو نتصور حدوثها في الماضي.

 

  • صحيفة الأيام
  • ي.ك