حملات مناهضة العنف ضد المرأة.. بين الشعارات والنتائج!

حملات مناهضة العنف ضد المرأة.. بين الشعارات والنتائج!
عقل أبو قرع
26 نوفمبر 2022

في كل عام، في الخامس والعشرين من شهر تشرين الثاني، تطلق جهات متعددة، سواء رسمية أو غير رسمية، أو مؤسسات حقوقية أو نسوية، أو نقابات واتحادات، أو غير ذلك من التحالفات والتجمعات، الحملة السنوية تحت شعار “مناهضة العنف ضد المرأة”، وذلك بمناسبة اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة الذي يصادف يوم 25 تشرين الثاني من كل عام، وتتواصل الحملة لمدة 16 يوماً، وتنتهي في العاشر من شهر كانون الأول القادم، وهو اليوم الذي يصادف ما يعرف بـ”اليوم العالمي لحقوق الإنسان”، وفي هذا الصدد، شاهدنا ولاحظنا خلال الأيام القليلة الماضية بدء التحضيرات لهذه الحملة، من خلال مؤتمرات صحافية أو مسيرات أو تجمعات أو ندوات أو نشاطات مع شعارات كبيرة فيما يتعلق بحقوق المرأة والعمل لمناهضة العنف ضدها.

ومن المعروف أن نشاطات أو حملات كهذه تشكل اتجاهاً أو زخماً إيجابياً لاجتثاث العنف بشكل عام والعنف من منظور النوع الاجتماعي في بلادنا، ومن الواجب دعمها ومؤازرتها وتوفير الإطار الحامي لها، سياسياً ومادياً واجتماعياً وثقافياً وإعلامياً، إلا أنه ومع تكرار مثل هكذا حملات سواء حملة الـ 16 يوماً أو غيرها من الحملات الموجهة والهادفة، ومع تكرار الشعارات الكبيرة التي ترفعها هذه الحملات، والتي تتطلب جهوداً وتكاليف وحشداً مادياً وبشرياً وإعلامياً، من الواجب كذلك أن يتم تقييمها وبشكل موضوعي علمي ودوري، بعيداً عن الانفعالات والعواطف والشعارات والأطر أو الجهات التي تقوم بها أو تدعمها، وبالتركيز على المواضيع التي تطرحها هذه الحملات وكيفية مساهمتها وبشكل عملي مستدام في الحد من العنف ضد المرأة في بلادنا، آخذاً بعين الاعتبار ظروف وخصائص مجتمع مثل مجتمعنا الفلسطيني.

والتقييم الموضوعي لهذه الحملات، والذي من المفترض أن يتم من خلال جهات مهنية موضوعية علمية، وأن يأخذ بعين الاعتبار مواضيع يتم استخدامها في تقييم مشاريع أو برامج أو خطط أو حتى عمل مؤسسات، وأن يوفر الإجابة عن أسئلة تتعلق بمدى وصول هذه الحملات إلى الجهات المستهدفة سواء المرأة التي تعاني من العنف وبأشكاله أو إلى الجهات المسؤولة التي تهدف هذه الحملات للوصول إليها من أجل التغيير سواء في القوانين أو السياسات أو الإستراتيجيات من أجل الحد من أشكال العنف المبني على النوع الاجتماعي، وكذلك يقدم التقييم الأدلة على مدى تحقيق هذه الحملات للأهداف المرسومة لها ومدى مواءمة تكاليفها المتعددة مقارنة مع ما حققته من أهداف، والأهم مستوى الأثر العام الذي تحدثه ومدى استدامة أو تواصل أو بقاء هذا الأثر بعد الانتهاء من الحملات.

وفي إطار الحديث عن هذه الحملات وما ترفعه من شعارات، وفي ظل زخم المناصرة والضغوط والحشد الإعلامي الذي تتخذه هذه الحملات، من المفترض أن تركز ومن خلال توفير البيانات والأدلة والمعطيات الحديثة والدقيقة على مواضيع لها علاقة مباشرة وغير مباشرة بالعنف ضد المرأة وفي مجتمعنا، وأن تعمل على توحيد الجهود بعيداً عن التشتت والمنافسة، وبشكل مهني من أجل التعامل الإيجابي مع هذه المواضيع، من خلال التأثير على أصحاب المسؤولية أو قادة المجتمع أو وسائل الإعلام أو المؤسسات المختلفة، من أجل تغيير هذه الأوضاع وبشكل مستدام.

ومن هذه المواضيع التي ما زالت توفر البيئة القوية لممارسة العنف ضد المرأة الذي أقسى صوره هو ظاهرة القتل، وموضوع الفقر، وأسبابه وعوامله، والعنف الاقتصادي الموجه ضد النساء بشكل عام، من مواضيع تعلق بالتمكين الاقتصادي من خلال الوصول إلى القروض أو المنح أو الوظائف أو التعليم أو الرعاية الصحية أو تملك الأراضي ووسائل الإنتاج، أو المشاركة السياسية، أو الحد الأدنى للأجور، أو المساواة في الأجر أو التعامل مع الأعمال غير مدفوعة الأجر، أو قانون حماية الأسرة من العنف أو غير ذلك من القوانين.

وهناك العنف المرتبط بفقدان مصادر الدخل وبالأخص للمرأة الريفية، وبالتحديد في هذه الفترة، في ظل التعامل مع التداعيات البيئية والمناخية الوخيمة التي تحدث في العالم، أو التأثيرات البيئية والمناخية من منظور النوع الاجتماعي”، حيث تتفاقم هذه التأثيرات على المرأة الريفية بشكل أعمق وأشرس، والمرأة الريفية الفلسطينية ليست بالبعيدة عن هذه الآثار السلبية بعيدة المدى، وبالأخص حين يفاقم الاحتلال الإسرائيلي ذلك، حيث أصبحت النساء الفلسطينيات الريفيات المزارعات يتعايشن وبقوة مع هذه الآثار، من خلال التصحر الذي ضرب المحاصيل، وشح المياه التي تعني ضآلة الإنتاج من حيث النوعية والكمية، وتدهور نوعية المياه من خلال ازدياد نسبة الأملاح والملوثات فيها وبالتالي عدم القدرة على زراعة محاصيل اعتادت عليها، وظهور أوبئة وآفات وأمراض جديدة وما يتطلب ذلك من استخدام مواد كيميائية مع الآثار الصحية والبيئية المرتبطة بذلك.

وهناك العنف المرتبط بالدخل أو الأجر أو عدم تطبيق قانون الحد الأدنى للأجور، للمرأة العاملة، بالأخص في بلد مثل بلادنا، حيث ارتفاع الأسعار يكاد يضاهي أو يزيد عن الأسعار في دول تعتبر من الأوائل اقتصاديا أو من الأعلى في دخل الفرد، حيث يتآكل هذا الحد باستمرار مع ارتفاع الأسعار ومع تواصل زيادة نفقات الحياة، ومع العلم أن المبلغ المتفق علية كحد أدنى للأجور والصادر بقانون والمفترض تطبيقه منذ أكثر من عام، لم يتم الالتزام به عند الكثيرين، وما زال البعض خاصة النساء العاملات يتقاضين راتباً شهرياً لا يتجاوز الـ 1000 شيكل، أي لا يصل إلى الحد الأدنى للأجور.

ومع تواصل حملات المناصرة والضغط لقضايا المرأة أو الوصول إلى الحقوق من منظور النوع الاجتماعي في بلادنا، وتحت مسميات مختلفة وفي ظروف متعددة، والتي في أحيان يكون بعضها مكرراً ويتم تنفيذه من جهات عدة وتحت أسماء مختلفة، وبدعم من جهات مختلفة، فإن تقييم هذه الحملات ومن خلال التركيز على النتائج والاستدامة بعيداً عن الشعارات، بما تشمله من توثيق للنتائج ومتابعتها والبناء عليها في الحملات القادمة، بات عنصراً حيوياً من أجل تواصل وتحقيق هذه الحملات لأهدافها.

 

  • صحيفة الأيام
  • ي.ك