اليوم العالمي لمرض “السكري” .. وأهـميـة الـتثـقيـف الـصحـي

اليوم العالمي لمرض "السكري" .. وأهـميـة الـتثـقيـف الـصحـي
عقل أبو قرع
16 نوفمبر 2022

يصادف في الرابع عشر من شهر تشرين الثاني من كل عام ما يعرف باليوم العالمي لمرض السكري، حيث يتم الاحتفال به كل عام، من أجل التوعية بمخاطر المرض وتداعياته الخطيرة، وتم تخصيص هذا اليوم، ليصادف عيد ميلاد فريدريك بانتينغ الذي وضع مع تشارلز بيست الفكرة الأولى التي أدت إلى اكتشاف الأنسولين عام 1922، حيث يعتبر تركيز أو إنتاج الأنسولين في الجسم العامل الأهم لتنظيم مستوى السكر أو الغلوكوز في الدم، وبالتالي تحديد الإصابة بشدة وخطورة الإصابة بمرض السكري.

وتم اعتماد اليوم العالمي رسمياً عام 1991 من قبل الاتحاد الدولي للسكري ومنظمة الصحة العالمية، استجابة للقلق المتزايد من انتشار وتفاقم المرض في جميع أنحاء العالم، وفي هذا العام يتم التركيز خلال هذا اليوم على أهمية التثقيف والتوعية والتعليم الصحي المتعلق بالمرض، في ظل تزايد عدد الأشخاص المصابين به، حيث أصبح أكثر من 500 مليون شخص في العالم.

ومرض السكري مرض مزمن، يحدث أو يتشكل عندما يعجز البنكرياس عن إنتاج الأنسولين بكمية كافية، وهذا ما يعرف بالنوع الأول لمرض السكري، ويشكل حوالى 5% من نسبة الإصابة على مستوى العالم، أو عندما يعجز الجسم عن الاستخدام الفعال للأنسولين الذي ينتجه البنكرياس في الجسم، وهذا ما يعرف بالنوع الثاني لمرض السكري ويشكل حوالى 95% من مرضى السكري في العالم، وهذا النوع يرتبط بشكل مباشر بزيادة الوزن أو السمنة أو العادات غير الصحية للمصاب، وذلك وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، ومعروف أن مرض السكري سبب رئيس من أسباب الإصابة بالعمى والفشل الكلوي والنوبات القلبية والدماغية وبتر الأطراف السفلية، وبالتأكيد الوفاة.

وفي بلادنا، وحسب التقارير المتوالية لوزارة الصحة وللهيئات الصحية غير الرسمية، سواء أكانت هيئات محلية أو دولية، تتواصل ظاهرة الازدياد أو الارتفاع في نسبة الأمراض غير السارية أو المزمنة، ومن ضمنها مرض السكري عندنا، سواء أكان ذلك في الضفة الغربية أو في قطاع غزة، ومجمل هذه التقارير يشير إلى أن المسبب الأول للوفاة في بلادنا خلال الأعوام القليلة الماضية هي أمراض القلب ومضاعفاتها، حيث يعتبر مرض السكري عاملاً مهماً في حدوثها، والمسبب الثاني للوفاة أمراض السرطان، والتي حسب التقرير أدت إلى وفاة حوالى 14% من إجمالي الوفيات في فلسطين، ويتبع ذلك الوفيات الناتجة عن أزمات الدماغ والبدانة، وغير ذلك من أمراض لم تكن تشكل نسبة ملموسة قبل عدة سنوات.

وهذا بدوره يدعو إلى طرح سؤال أو تساؤلات حول أحوال الحياة والظروف البيئية، وحول استهلاك ونوعية المواد الغذائية وما تحويه من مواد وسموم قد تكون آثارها قصيرة أو بعيدة المدى، والخطورة هنا وربما في أمثلة أخرى، أن آثار استهلاك هذه المواد أو بقاياها لا تظهر بشكل فوري أو سريع، وإنما يمكن أن تظهر بعد فترة، وعلى شكل أمراض مزمنة مثل السكري، وللتعامل مع التداعيات الصحية الناتجة عن استهلاك الأغذية، فإن ذلك يتطلب وجود سياسات صحية غذائية صارمة، تشمل التثقيف الصحي والتوعية والمراقبة والتفتيش وإجراء الفحوصات الدورية والعشوائية، وكذلك تطبيق قوانين رادعة، بحق من يقوم بإيصال مواد ضارة غير صحية إلى المستهلك، وبالأخص الأطفال.

والانتشار السريع والخطير للنوع الثاني من مرض السكري، والذي له علاقة بالسمنة والبدانة، بات مؤكداً على صعيد العالم، والمنطقة العربية ونحن منها، حيث إن «البدانة» أي الوزن الزائد أو «السمنة» المسبب الأساسي لأمراض القلب، ولأمراض لها انعكاسات مباشرة على أمراض القلب مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، وربما كذلك وحسب الدراسات الحديثة، أضحى عاملاً محفزاً لأمراض السرطان، وبالإضافة إلى الآثار الصحية والاجتماعية الواضحة للأمراض التي لها علاقة بالبدانة، فإن هذه الأمراض لها انعكاسات اقتصادية هائلة، على الفرد والدولة وشركات التأمين والمجتمع قاطبة.

والأهم في بلادنا وفي هذا المجال، بالإضافة إلى توفير الوسائل للتثقيف الصحي وللوصول إلى المعلومات الصحية للمواطن، من المفترض أن تتبع وزارة الصحة الفلسطينية سياسات صحية ملزمة ولتطبيق برامج تثقيف صحي غذائي، خاصة لطلبة المدارس، وتبيان الخيارات الصحية الغذائية، أو حتى إصدار القوانين التي تمنع استهلاك المواد غير الصحية، كالأطعمة السريعة، والمشروبات الغازية، والسكريات، وما إلى ذلك، وهذا ما قامت وتقوم به العديد من الولايات في المدارس الأميركية مثلاً، وبالإضافة إلى ذلك تشجيع ثقافة الحركة والرياضة، وكذلك إلزام الصناعات الغذائية بتبيان عدد السعرات الحرارية على منتجاتها.

والمعروف أن مفهوم الصحة العامة مفهوم شامل يقوم بالأساس على مبدأ الوقاية من الأمراض وليس علاجها، ويشمل ذلك مفاهيم مثل التغذية الصحية، النشاط الحركي، صحة المرأة والطفل، السياسات الصحية، سلامة المهنة، وصحة البيئة، وغيرها، وهذا يهدف في المحصلة لتجنب انتشار أمراض معدية أو أمراض مزمنة لها علاقة بالغذاء والسمنة، والحركة، والتلوث، وضغط العمل والحياة، وما إلى ذلك، ومن المعروف أن هناك مجتمعات ترزح وبقوة تحت وطأة العديد من الأمراض المزمنة التي باتت تشكل أعباء كثيرة على كاهلها، سواء أكانت هذه الأعباء اقتصادية أو اجتماعية أو صحية، ومن ضمنها مرض السكري.

وبالإضافة إلى برامج وسياسات الجهات الصحية الرسمية في بلادنا، من المفترض أن تلعب الجهات غير الرسمية العاملة أو الفاعلة في مجال الصحة وكذلك وسائل الإعلام بكل أنواعها دوراً مهماً، في التوجيه نحو أنماط غذائية صحية، تعتمد على استهلاك أكثر للمنتجات الطازجة من فواكه وخضار، وإلى التحذير من الآثار الوخيمة «للبدانة» وما يتبع ذلك من أمراض، وما يشكل ذلك من آثار سلبية على المواطن والعائلة والمجتمع.

ورغم الصورة القاتمة للتصاعد المخيف في نسبة مرضى السكري، وبالأخص النوع الثاني منه في العالم وفي بلادنا، إلا أن هناك آمالاً بإتباع سياسات صحية وتثقيف صحي وتوعية مبرمجة وموضوعية، سواء في دول العالم المختلفة أو هنا في فلسطين، لكي تعمل على توفير الوقاية، التي هي أفضل من العلاج لأمراض العصر الحديث، سواء أكان من الأمراض المعدية أو من الأمراض غير السارية، وفي مقدمتها مرض السكري الذي لا يفرّق بين الصغير والكبير، أو بين الذكر أو الأنثى، أو بين الغني أو الفقير.

 

  • صحيفة الأيام
  • ي.ك