كالعادة وكما يحدث دائماً فأنت ترفع حاجبيك دهشةً ويمتلئ قلبك ألماً وحسرةً حين تسمع ان فلاناً قد بلغ به العمر عتيّاً وقد أودعه أولاده دار المسنين، وقد أسهمت الدراما السينمائية والتلفزيونية في وصف بشاعة الجرم المرتكب بحق الأب أو الأم او كليهما عند إيداعهما في دار المسنين، وكان الأمر او القرار بمثابة الصدمة حين كنا نسمع عن هذا الحدث، وكنا نعزو السبب في هذه الخطوة الى عقوق الأبناء وقلة بِرّهم بآبائهم ونمصمص شفاهنا ونعض العلوية منها تحسراً على التربية لسنوات والإنفاق والمال الذي تم منحه للأبناء، والنتيجة ان يرموا أباهم في دار المسنين.
قبل ايام كنت أسمع حادثة مشابهة لكنني كنت اعرف تفاصيل حياة المسنة التي تم إيداعها في دار المسنين، لذلك لم أجد سوى ان اقول وأتنهّد بأن هذا هو الحل الأسلم او الحل الاخير الذي اتخذه قرابتها، فهي بالطبع لم تنجب أولاداً ولا بنات.
هذه المرأة المسنة تزوجت وقضت أعواماً مع زوجها ولم تنجب، ورغم ثرائها إلا ان كل محاولاتها لتصبح أُماً قد باءت بالفشل، وهكذا توفي زوجها ووجدت نفسها في بيت واسع تحيطه حديقة اكثر اتساعاً، وبدأت تقضي وقتها في البيت وحيدة ومرت ايام العزاء والمواساة وتباعدت زيارات الأقارب لها، ولم يعد أحد يذكرها إلا في المناسبات، وقد زرتها مرة بحق ما يجمعنا من قرابة من بعيد، فأخبرتني انها تقضي يومها بجوار هاتفها الثابت وتجلس ملتصقة به عسى ان يتذكرها احد ويهاتفها، وتتمنى لو كان من يهاتفها ان يطيل المكالمة لكن ذلك لا يحدث.
يوماً بعد يوم بدأت تفقد ذاكرتها وظهرت عليها اعراض الزهايمر بسبب الوحدة، وقد اكد الأطباء ان الزهايمر تسببه الوحدة، حيث تموت خلايا المخ ولا تتجدد، فالإنسان حين لا يجد من يحادثه وان لم يكن يقرأ ويكتب ويطالع الاخبار ويسمع الاحداث ويتفاعل مع العالم الخارجي عبر مواقع التواصل الاجتماعي وعالم السوشيال ميديا وتتجدد معلوماته يصاب بفقدان الذاكرة شيئاً فشيئاً وأسرع من الآخرين.
هكذا لم تعد تعرفني ولم تتعرفني في آخر زيارة وشعرت بالأسى لأنها اصبحت مثل طفل صغير، لكنها أصبحت طفلاً صغيراً مشاكساً، فهي لا تطيق البقاء في بيتها فتخرج إلى الشوارع بملابس البيت وأحياناً تكون حافية القدمين او تنتعل خفاً منزلياً، وتترك بيتها نهبا للطامعين وتتعرض للحوادث والضياع في الشوارع والازقة، حتى أصبح يعرفها كل رجال الشرطة في المنطقة.
أخيراً قرر أقاربها ان يضعوها في دار المسنين، وقد تنفستُ الصعداء بسبب هذا القرار وتأكدت أنه قرار صائب، ولا يجب أن نصف أهلها البعاد بأنهم قُساة وظالمون، فهم لم يستطيعوا أن يوفروا لها الرعاية اللازمة، ولا يستطيعون أن يسهروا طيلة الوقت لمنعها من الخروج من بيتها او بيوتهم، فسوف تحدث صدفة وينفتح باب البيت فتخرج لا تلوي على شيء وتصبح عملية البحث عنها مضنيةً ومتعبة ومؤلمة.
لا أعتقد ان هذه الحالة تسجل تحت باب الظلم او اننا حين نقرر ان نودع مسناً في هذه الحالة حتى لو كان له أبناء او بنات، فنكون ابناء عاقين لأن الحياة صعبة بما يكفي، ولأننا لا نستطيع ان نمنح كل وقتنا وطاقتنا لمسن في آخر ايامه لا يعرف احداً لكنه يحتاج لمن يخدمه ويعطيه الدواء ويحافظ على حياته.
علينا ان نتفكر جيداً في الكثير من القصص والحالات التي سمعناها عن مسن قد خرج ولم يعد، وعاش أولاده في حسرة لا يُعرف له قبر ولا يعرفون حتى كيف كانت نهايته، سمعنا الكثير من القصص المؤلمة بسبب ما يصيب بعض المسنين في أواخر أعمارهم، وحيث لا يوجد حل في هذه الحالات، ودون أن نتهم المقربين بالعقوق او القسوة هو الذهاب لدار المسنين التي تستطيع تأمين رعاية أفضل للمسن في حال كان لدى المسن مال يدفعه مقابل خدمات يقدمها مختصون وليس أشخاصاً لا يعرفون كيف يتعاملون مع تدهور أعراض الزهايمر عافانا الله وإياكم.
- صحيفة الأيام
- ي.ك

