إذا سألت أيَّ والد أو والدة عن أمنيتهما في هذه الحياة، غالباً ستكون رغبتهما الأولى أن يعيش أطفالهم حياة سعيدة وناجحة. في الواقع، لن يتردد العديد من الآباء اليوم في التدخل لحلّ مشكلة من الأفضل تركها لأطفالهم. في بعض الأحيان، قد يكون هذا مبرراً ومفيداً إذا كان في حدود المعقول، لكننا ذهبنا إلى أقصى الحدود في رعاية أطفالنا. هذا الإفراط في الرعاية يشير إلى محاولات أحد الوالدين إدارة حياة أطفاله بشكل كبير للتأكد من أنه يتخذ قرارات جيدة، وحمايته من أيّ أذى جسدي أو عاطفي، ومنعه من مواجهة عواقب سلوكه، حيث لا يمكنهما تحمّل مشاهدة طفلهما يتأذى أو يفشل أو يرتكب خطأ، والنتيجة هي تزايد عدد الأطفال والبالغين الاتكاليين الذين يعتمدون على الآباء، فالمهارات التي كان يمكن أن يتعلمها عندما كان طفلاً أو مراهقاً تتأخر حتى سن العشرينيات أو الثلاثينيات أو حتى لفترة أطول.
يواجه جيل اليوم العديد من التحديات، لكن يمكن قول الشيء نفسه عن آبائهم. أظهرت سنوات من العمل مع أولياء الأمور أن العامل المشترك هو مدى التوتر والإحباط والقلق الذي شعر به الآباء حيال أطفالهم الاتكاليين، فمثل الكثيرين قد تشعر بالاستياء لأن ابنك البالغ يعتقد أن من حقه الحصول على كل ما يتمنى، أحدث موبايل، ملابس نظيفة ومكوية، وجبات جاهزة من المطعم في أي وقت لأن طعام البيت لم يعجبه، في حين أنه لا يفعل شيئاً سوى النوم والخروج مع الأصدقاء، أو قد تشعر بالإحباط والغضب عندما لا تساعد ابنتك في أمور المنزل أو حتى تشكرك على ما تفعله من أجلها، هنالك الكثير من التحديات التي يواجهها الآباء مع أطفالهم البالغين الذين ما زالوا يعتمدون عليهم.
اليوم، يكافح هؤلاء الشباب لإيجاد طريقهم. لقد دخلوا مرحلة البلوغ وهم غير مجهزين للتعامل مع خيبة الأمل، لم يتعلموا المثابرة، ولم يتعلموا التعامل مع الشدائد، ولا يمكنهم إدارة المسؤوليات اليومية. يشير العديد من الأسئلة، التي نسمعها من الآباء، إلى صعوبات التعامل مع الأطفال البالغين الذين يظهرون خصائص عند وتحد وعدم احترام أو تقدير. هؤلاء الآباء ليسوا وحدهم.. من المفيد أن ندرك أن هذا انعكاس للكيفية التي ذهب بها مجتمعنا إلى أقصى الحدود في رعاية الآخرين، ليس فقط لأطفالنا، ولكن حتى للأزواج أو للأشخاص المقربين منا.
عندما كان أطفالك صغاراً، ربما كنت تتوقع منهم أن يعتمدوا على أنفسهم يوماً ما، فلماذا يبدو طفلك غير قادر على ذلك؟ وكيف تتعامل معه عندما لا يفعل ذلك؟
اسمح لأطفالك بالتجربة: دع أطفالك يختبرون عواقب قراراتهم، فمن خلال عدم السماح لطفلك بالخطأ، أو بإخباره بما تعتقد أنه صحيح أو خطأ، فإنك تمنعه من تعلم كيفية تجاوز تحديات الحياة، فالأطفال يتعلمون من خلال الممارسة. إنهم بحاجة إلى تجربة أشياء جديدة، وارتكاب الأخطاء، وحلّ المشكلات، ومواجهة التحديات، ومن خلال قيامنا بجميع واجبات أطفالنا، فإننا نحرمهم من لحظات التعلم الأساسية.
امنحهم المسؤوليات: عندما يتعلق الأمر بالمسؤولية، من المهم تعليم الأطفال أنهم لا يحتاجون فقط إلى ممارسة المسؤولية الشخصية، ولكن أيضاً المسؤولية تجاه الآخرين، فالأطفال الذين يساعدون الأهل في أعمال البيت مثلاً هم أكثر قدرة على مساعدة الآخرين في المواقف الاجتماعية من أولئك الذين لا يفعلون، حتى لو كانت المهمة التي تمنحها لطفلك ستستغرق وقتاً أطول ولم يتم إنجازها كما لو قمت بها، فمن المهم السماح له بالمحاولة والتعلم بدلاً من القيام بذلك بنفسك، وذلك سيساعد الطفل في الابتعاد عن السلوك الاتكالي والاعتماد على الآخرين، ففي النهاية، سوف يتحسن طفلك في القيام بهذه المهمة ويستمتع بالرضا الذي يأتي مع المساعدة، كما أن إعطاء مسؤولية للطفل يمكن أن يؤثر أيضاً على تعزيز تقديره لذاته.
كن نموذجاً يُحتذى به: يحتاج الأطفال إلى الحب ونموذج يُحتذى به، وفي معظم الحالات، يكون الأطفال أكثر تأثراً بما يفعله آباؤهم مما يقولونه، لذا، فإن عبارة «افعل كما أقول وليس كما أفعل» ليست فعالة، حيث يراقب الأطفال والديهم ويقلدونهما. إنهم يقلدون الكلمات والأفعال والسلوكيات التي توجههم، لذلك يمكنك توجيه نمو طفلك من خلال أن تكون قدوة جيدة، فكن ما تريد أن تراه. تدور هذه النقطة في جوهرها حول نمذجة الخصائص والقيم والسلوكيات التي تأمل أن تراها في طفلك. إن قيادة عائلتك من خلال صدقك والتزامك، يمكن أن تكون مفيدة للغاية لطفلك، والأهم من ذلك، يجب أن تقول دائماً ما تقصده وتعني ما تقوله، ودعْ كلماتك تدعمها أفعال ملموسة.
علمهم الشكر والامتنان: كيف نعلم أطفالنا أن يكونوا شاكرين؟ علمهم أن يقولوا «شكراً لك» للأشخاص الذين يفعلون أشياء لطيفة لهم، يمكن أن يكون الشخص أخاً أو أختاً يساعدهم أو تساعدهم في التقاط الألعاب أو صديقاً يمنحهم هدية عيد ميلاد. تُظهر الأبحاث أن الأشخاص الشاكرين عادة ما يكونون أكثر تفاؤلاً، كما أنهم أقل اكتئاباً وتوتراً، لذلك، عندما نُعلّم أطفالنا أن يُقدّروا ما لديهم، وما يفعله الآخرون لهم، فإننا نساعدهم على أن يصبحوا بالغين أكثر سعادة وصحة.
الانضباط الفعال: غالباً ما يتم ربط الانضباط بالعقاب والسيطرة، وهناك جدل كبير حول الطرق الفعالة لتأديب الأطفال ووضع الحدود وغرس ضبط النفس، حيث يُعد تأديب الأطفال من أهم مسؤوليات الأبوة والأمومة وهي بالطبع مسؤولية صعبة، فالتأديب الفعال والإيجابي يكون بتعليم الأطفال وتوجيههم، وليس فقط إجبارهم على الطاعة، وكما هو الحال مع جميع التدخلات الأخرى التي تهدف إلى الإشارة إلى السلوك غير المقبول، يجب أن يعرف الطفل دائماً أن والديه يحبانه ويدعمانه، لأن الهدف من التأديب الفعال هو تعزيز السلوك المقبول والملائم لدى الطفل، فالشخص المنضبط يراعي احتياجات الآخرين، ويكون حازماً دون أن يكون عدوانياً، ولأن أساس الانضباط الفعال هو الاحترام، يجب أن يكون الطفل قادراً على احترام سلطة الوالدين وكذلك حقوق الآخرين، كما أن التأديب القاسي كالإساءة اللفظية والصراخ والشتائم سيجعل من الصعب على الطفل احترام والديه والثقة بهما، وبالتالي، فإن الانضباط الفعال يعني الانضباط المُطبق باحترام متبادل بطريقة حازمة ومعقولة،
فالهدف هو حماية الطفل، ومساعدته على تعلم الانضباط الذاتي، وتنمية الضمير السليم والشعور الداخلي بالمسؤولية.
يواجه شباب اليوم منافسة أكثر حدة من أي وقت مضى، وقد اقتنع العديد من الآباء بفكرة أن طفلهم يحتاج إلى مساعدتهم ليبرز من بين الجميع، وهذا هو السبب في أن العديد من الآباء أصبحوا أشبه بالمساعدين الشخصيين لأطفالهم، من المهم تعليم طفلك الاعتماد على الذات حتى يتمكن من مواجهة التحديات المستقبلية في مرحلة البلوغ، إن ترك طفلك يُخطئ، والسماح له بمواجهة الألم، وتعليمه أن يكون مسؤولاً قد يكون أمراً صعباً، لكن على الآباء ألا يحموا أطفالهم من الألم، بل أن يُعلموا أطفالهم كيفية تحويل أخطائهم وتجاربهم إلى قوة ليكونوا أشخاصاً قادرين على مواجهة تحديات الحياة، «ربوا أولادكم لجيل غير جيلكم».
- صحيفة الأيام
- ي.ك

