انتقادات الرجوب: احتدام الصراع.. أم تموضع لما بعد عباس؟

jibril-alrajoub
أدهم مناصرة
31 يوليو 2026

لم تتوقف حالة التوتر التي رافقت انتخابات حركة “فتح” ضمن مؤتمرها الثامن الذي عُقد في أيار/ مايو الماضي، بل تصاعدت أكثر بعدها، وعلت وتيرة الخلافات والصراعات بين أقطاب الحركة، لدرجة خروج القيادي في “فتح” وعضو لجنتها المركزية جبريل الرجوب، بتصريحات انتقد فيها الرئيس الفلسطيني محمود عباس بشكل علني، حينما دعا إلى إجراء الانتخابات الرئاسة أولاً، والتوافق على شخصية وطنية مع جميع القوى والفصائل الفلسطينية.

 

دوافع رسائل الرجوب الحادة؟ 

وبدت انتقادات الرجوب أكثر وضوحاً ومباشرة، حينما قال في ندوة برام الله، إن النظام السياسي هو “نظام رئاسي”، وأن الأولوية هي أن تبدأ الانتخابات بالرئاسة ثم التشريعي، وليس العكس، وتابع قائلاً: “أبو مازن خايف نعمل عليه انقلاب، يا أخي أنت رئيس المنظمة لحد ما نخلص”.

وأفادت مصادر مطلعة على خلفية الصراعات الفتحاوية، لـِ “المدن”، أن انتقادات ورسائل الرجوب غير المسبوقة جاءت في سياق محاولته إعلاء الصوت على الملأ، للضغط على قيادة السلطة وفتح؛ لتلبية مطالبه، وذلك بعد تهميشه واستثنائه من أي صلاحيات مؤثرة في المركزية، واستنفاده وسائل الضغط والاحتجاج بعيداً عن الإعلام، إذ اتبع عباس ودائرته المقربة حالة الإهمال وعدم الاكتراث لاحتجاج الرجوب. وبينت المصادر أن غضب الرجوب تصاعد على إثر تعيينات في مركزية “فتح” بعد انتخابها بموجب المؤتمر الثامن، أبرزها تعيين الشيخ نائباً لرئيس حركة “فتح” إضافة إلى شغله نائباً لرئيس منظمة “التحرير”، بموازاة منح صلاحيات مفوضية التعبئة والتنظيم لعضو اللجنة المركزية ب”فتح” توفيق الطيراوي .

وتقدر المصادر أن الرجوب سيواصل تصعيد انتقاداته ورسائله لعباس ومقربيه بالفترة المقبلة؛ بهدف الضغط عليهم بوصفه “قطباً فتحاوياً لا يُمكن تجاهله واستثناؤه”، وأيضاً لدفع أطراف عربية مؤثرة، للتدخل والضغط على عباس لتسوية الخلاف وضبط التوازنات القيادية، تحت عنوان “ضرورة تسوية الخلافات الفتحاوية لحساسية المرحلة”. لكن لا يُعرف إن كان ذلك سيؤدي في نهاية المطاف إلى تسوية معه وتطويق الصراعات المتصاعدة في أروقة “فتح” والسلطة. 

 

تعيينات المركزية أججت الخلافات

ويمثل القياديان الفتحاويان جبريل الرجوب ومحمود العالول “الحلف المحتج والغاضب علناً” إزاء تعيينات اللجنة المركزية، حيث لا يحضران الاجتماعات التي يترأسها حسين الشيخ، لكن هذا لا ينفي حقيقة وجود صراعات خفية أيضا عنوانها “فتح” في داخل المركزية أو خارجها، ولو بوتيرة هادئة وخفيّة حتى اللحظة، خصوصاً أن مصادر “المدن” كشفت عن دخول عضو مركزية ثالث على خط الغاضبين.

ولعلّ التعيينات فاقمت وكشفت تلك الخلافات والصراعات على الملأ، أكثر من كونها أنتجتها للتو؛ فهي برزت في مؤتمر “فتح” الثامن وانتخاباتها الأخيرة، لكنها شكلت انعكاساً وامتداداً لتباينات وصراعات بين أقطاب “فتح” بالسنوات الأخيرة، وإن لم تتخذ هذه الحدة والعلنية التي نشهدها اليوم. وقد دل على ذلك، ما كشفه مصدر مقرب من قيادة “فتح” لـِ “المدن”، إذ قال إن الدائرة الضيقة من عباس سعت من خلال “الكولسات” بإزاحة الرجوب وقيادات أخرى من اللجنة المركزية، من خلال الانتخابات الماضية، غير أنّ التحالفات “المفاجئة” والتوازنات، حالت دون ذلك، وهو ما يعني أن بقاء الرجوب وشخصيات أخرى، جاء على عكس رغبة دائرة عباس، وهو ما عبرت عنه لاحقا من خلال “هندسة” التعيينات ومنح الصلاحيات المهمة في الحركة، لشخصيات بعينها واستبعاد أخرى.

 

التأهب لمرحلة ما بعد عباس

ثمة جانب آخر لا يُمكن إغفاله في هذه الخلافات، ألا وهو تردي أوضاع الضفة الغربية، وبروز ما تعدها قيادة السلطة تيارات موازية بشأن قطاع غزة الذي تعرض لحرب إبادة، وهو ما دفع قيادات بمنظمة “التحرير”، إلى ربط تصاعد الخلافات والانقسامات الفتحاوية، بالحال المُركّب الذي وصلت إليه السلطة والقضية الفلسطينية برمتها، إلى جانب الشعور بتراجع أكبر في صحة رئيس السلطة محمود عباس وقرب نهاية حقبته، وهو ما يثير تساؤلات بشأن ما إذا كان احتجاج الرجوب بمثابة محاولة لإعادة التموضع استباقا لمرحلة ما بعد عباس.

وقال عضو بالمجلس الوطني الفلسطيني لـِ “المدن”، طالباً عدم ذكر اسمه، إن الأجواء ملتهبة في “فتح” بعد المؤتمر الثامن، وأن دائرة الانقسامات في الحركة، اتسعت أكثر، مبيناً أن شخصيات فتحاوية تتواصل فيما بينها داخل فلسطين وخارجها لتشكيل تحالفات ولوبيات، إلى جانب تحركات لدعم قوائم موازية لقائمة “فتح” الرسمية، في حال مضى عباس قدما نحو إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.

 

الخشية من خلافة عباس الابن!

ووفق المصدر، فإن حديث الرجوب عن ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية قبل التشريعية، نابع من مخاوف لديه، ومن فتحاويين آخرين، أن تسير الأمور باتجاه خلافة ياسر عباس لوالده في رئاسة السلطة الفلسطينية. ورغم أن حسين الشيخ محسوب على خط عباس، إلا أن مصادر “المدن” بينت أن الشيخ يُبدي تخوفا من وصول ياسر عباس إلى الرئاسة، وذلك من خلال السيطرة على مفتاح المال ومركزية “فتح” والمجلس الوطني لمنظمة التحرير، إل جانب تمكينه من ترتيب الأمور بمرحلة انتقالية، قبل مجيئ لحظة مغادرة والده محمود عباس منصب الرئاسة، نتيجة وفاته أو عدم قدرته على أداء مهامه، وبالتالي يكون بذلك ياسر عباس وتياره قد تمكنوا من السيطرة على مفاصل الأمور عند غياب والده، وهو سيناريو تُبدي أوساط فتحاوية ومن منظمة “التحرير” مخاوف بشأنها. 

وبينما تبدو خلافة عباس والتحضير لمرحلة ما بعده، الدافع الأبرز بغضب الرجوب والعالول وجهات فتحاوية أخرى، حذر مصدر فتحاوي في حديث لـِ “المدن”، من أن محمود عباس يبدو ضابطا ومتحكما في مستوى الصراعات حتى الآن، لكن الخشية من تفاقمها واتخاذها أشكالاً ووسائل “أخطر” بعد غيابه عن المشهد في لحظة ما. 

 

تحركات لتوازنات مستجدة

واللافت أن هناك تيارات فتحاوية داخل فلسطين وخارجها، ومن مختلف التوجهات، بدأت تتحرك باتجاه إعادة صياغة توازنات وتحالفات مستجدة، ويبدو أن عامل “المال” يلقي بظلاله على هذه التحركات، وفق مصادر فتحاوية لـِ “المدن”.

في المحصلة، تُجمع قيادات ومصادرة سياسية، على أنّ الصراع المتفاقم حاليا، عنوانه “فتح”، لكنها حذرت من انعكاساته على كل المشهد الفلسطيني، خصوصا في المرحلة المقعدة فلسطينياً وإقليمياً. وترى تلك القيادات أن عباس نفسه يتحمل المسؤولية الأكبر في ما آلت إليه الصراعات الفتحاوية والوضع الفلسطيني برمته.