اتسعت شهية الذكاء الاصطناعي للطاقة بشكل كبير للغاية في الآونة الأخيرة مع تطور قدراته وتوسع الشركات في بناء مراكز البيانات، ووصل الأمر إلى حد أن شبكات الطاقة الكهربائية التقليدية لم تعد قادرة على تلبية احتياج الذكاء الاصطناعي.
وتبحث الشركات التقنية بشكل جاد عن مخرج من عنق الزجاجة هذا، فبدون توفر طاقة كهربائية بشكل مستمر طوال اليوم لسد احتياجات مراكز البيانات الشرهة للطاقة، لن تستطيع هذه المراكز العمل وستتأخر جهود دمج الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، وبالتالي تبدأ الشركات في خسارة الاستثمارات التي وصلت نحو 1.6 تريليون دولار في السنوات الأخيرة، وفق تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأخير.
وهنا، تأتي الطاقة النووية لتصبح الفارس المغوار الذي ينقذ قطاع الذكاء الاصطناعي عبر تقديمه طاقة نظيفة مستدامة وغير نهائية.
وبينما ينظر قطاع الذكاء الاصطناعي إلى الطاقة النووية بوصفها المنقذ الذي يلبي شراهته لاستهلاك الكهرباء، فإن قطاع الطاقة النووية أيضا ينتظر من الذكاء الاصطناعي أن يمحو وصمة العار التي تلاحقه، مثبتا للعالم أنها مصدر آمن ونظيف للطاقة.
ولكن هل ينجح زواج الذرة والخوارزمية في إنقاذ تقنيات المستقبل؟
لماذا لجأ وادي السيليكون للطاقة النووية؟
تملك الولايات المتحدة في الوقت الحالي أكثر من 3 آلاف مركز بيانات وبفضل تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي والإقبال العالمي عليها، يُتوقع أن نشهد زيادة تصل إلى 165% في عدد مراكز البيانات بحلول عام 2030، ويعني هذا أن عدد مراكز البيانات قد يتخطى 8 آلاف مركز قبل نهاية العقد، وفق تقرير موقع “إم آي تي تكنولوجي ريفيو” الأمريكي.
وتشير التوقعات إلى تزايد حجم استهلاك الطاقة الكهربائية تزامنا مع ارتفاع عدد مراكز البيانات المبنية داخل الولايات المتحدة، وقد تحتاج الولايات المتحدة إلى أكثر من 400 تيراواط في الساعة لتغذية مراكز البيانات بالطاقة مع حلول عام 2030، وذلك مقارنة مع أقل من 100 تيراواط في الساعة عام 2020.
وتمثل مراكز البيانات نقاط استهلاك كبيرة للغاية للكهرباء، وذلك لأنها تحتاج إلى العمل بشكل مستمر طوال اليوم ولا تتوقف عن العمل طالما كان هناك شخص ما يستخدم أداة ذكاء اصطناعي في أي مكان بالعالم.

هذا الأمر يضع شبكة الطاقة الكهربائية ومصادر الطاقة التقليدية تحت ضغط غير مسبوق في محاولة منها لتلبية احتياجات هذه المراكز من الطاقة، مما دفع مجموعة من شركات التكنولوجيا إلى التوجه إلى الاستثمار في عدة قطاعات، ومن بينها شركة مايكروسوفت التي اشترت محطات طاقة نووية بالكامل، فضلا عن سعي شركات أخرى لشراء مفاعلات نووية معيارية مصغرة لتشغيل مراكز البيانات.
وتمتاز الطاقة النووية باستقرارها العام فضلا عن قدرتها الواسعة على توليد كمية كهرباء مهولة، وذلك إلى جانب نظافتها وخلوها من الانبعاثات الكربونية.
وتلبي هذه النقاط احتياجات شركات وادي السيليكون على أكثر من مستوى، سواء كانت الحاجة التقنية المستمرة للطاقة الكهربائية أو الالتزام بالمعايير البيئية والدستورية.
رد الجميل لمفاعلات الطاقة النووية
وتصف دراسة نشرها موقع “ساينس دايركت” في مايو/أيار 2024 العلاقة بين تقنيات الذكاء الاصطناعي والطاقة النووية بأنها علاقة تكاملية، أي أن كل منهما يفيد الآخر.
فبينما تقدم الطاقة النووية حلا لأزمة استهلاك الكهرباء لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، فإن الأخيرة ترد الجميل عبر حل المشاكل المتنوعة والمرافقة لبناء مفاعلات ومعامل الطاقة النووية.
ويستطيع الذكاء الاصطناعي وفق الدراسة تحسين سلامة وكفاءة تشغيل محطات الطاقة النووية من خلال تعزيز أنظمة التحكم الذكية وتحليل البيانات في الوقت الفعلي، فضلا عن إمكانية اتخاذ بعض القرارات وتيسير اتخاذ القرار على الأفراد المسؤولين عن محطات الطاقة النووية.
كما يكشف تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية المنشور في مطلع ديسمبر/كانون الأول 2025 عن 4 مجالات في الطاقة النووية تشهد تحسنا بعد تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي وهي:
- في عمليات بناء وإدارة المحطات النووية: إذ يمكن للذكاء الاصطناعي تحسين عمليات الصيانة التنبؤية واكتشاف الحالات الشاذة وتحسين الأداء الحراري.
- في مجال التصميم: يدعم الذكاء الاصطناعي النمذجة المسرعة للمفاعلات ومحاكاة دورة الوقود وتطوير المواد المستخدمة وبالتالي تعزيز كفاءتها.
- في مجال السلامة: يستطيع الذكاء الاصطناعي محاكاة الحوادث وتحليل الاستجابة وإجراءاتها وتطوير إجراءات الطوارئ بما يتناسب مع نتائج المحاكاة المختلفة.
- في مجال الضمانات: يوفر الذكاء الاصطناعي تحليلا لساعات طويلة من لقطات المراقبة وبيانات المستشعرات وصور الأقمار الصناعية، فضلا عن تقديمه لمجموعة من الأدوات المهمة للتعرف على الأنماط.
ويؤكد التقرير أن الذكاء الاصطناعي بالفعل يقوم بهذه الوظائف داخل مختبرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وذلك إلى جانب التدخل البشري باستمرار لمراقبة عمليات المفاعلات وأثر الذكاء الاصطناعي عليها.
وبفضل قدرة الذكاء الاصطناعي على حل المشاكل المرتبطة بمحطات الطاقة النووية سواء كانت في تصميمها أو الحفاظ على سلامتها وتعزيز كفاءتها، فإن محطات الطاقة النووية قد تصبح الخيار المثالي والأكثر ملاءمة لتوليد الطاقة النظيفة في مختلف القطاعات والأماكن حول العالم.
عقبات رغم المزايا
وفي حين أن استخدام الطاقة النووية لتشغيل مراكز البيانات يقدم حلولا مبتكرة لتشغيل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، فإن هذا لا يعني عدم وجود عقبات تقف أمام هذا المسعى.
وتتمثل هذه العقبات في الوقت اللازم لبناء وتشغيل محطات الطاقة النووية ومفاعلاتها، إلى جانب الوقت اللازم لإنتاج الطاقة الكهربائية منها.
وبينما تتجه بعض الشركات إلى استخدام المفاعلات المعيارية المصغرة التي يمكن بناؤها وتشغيلها في وقت قياسي مقارنة بالمفاعلات النووية التقليدية، إلا أنها أيضا قد تحتاج إلى عدة سنوات وفق تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وتمثل عقبة الوقت المطلوب لبناء وتشغيل المحطات العقبة الأكبر أمام شركات الذكاء الاصطناعي، وهي ما تجعل حلول تشغيل الذكاء الاصطناعي بالطاقة النووية تبدو مستقبلية وتجبر الشركات على البحث عن حلول أخرى يمكن الاستفادة منها اليوم.




