تعيش الأسر الفلسطينية اليوم واقعاً اقتصادياً تتلاشى فيه الفروق الطبقية بشكل متسارع، لينزلق مئات الآلاف نحو ما دون خط الفقر المدقع. وفي ظل فجوة هائلة بين مداخيل تتآكل وأسعار تحلق عالياً، تحولت معركة المواطن اليومية من البحث عن الاستقرار إلى مجرد تأمين الحد الأدنى من متطلبات البقاء، وسط تحذيرات من اتساع رقعة الهشاشة الاقتصادية لتشمل الغالبية العظمى من المجتمع خلال العام الجاري.
وتصطدم يوميات الأسرة الفلسطينية بأرقام تعكس عمق الأزمة وتجاوزها للمقاييس التقليدية؛ ففي حين كان الجهاز المركزي للإحصاء يحدد خط الفقر الوطني لأسرة مكونة من خمسة أفراد بنحو 2717 شيكلاً في عام 2024، تؤكد معطيات السوق الحالية أن هذا الرقم فقد قيمته الفعلية جراء التضخم. وتُقدر الكلفة الحقيقية لتغطية الاحتياجات الأساسية فقط، من مأكل ومسكن وكهرباء وأدوية، بما يتراوح بين 3200 و4000 شيكل شهرياً، وهو ما يضع شريحة واسعة من الموظفين والعمال في عجز مالي دائم.
وتتجلى قسوة هذه المعادلة بوضوح في أحدث الإجراءات الحكومية، حيث اقتصرت الدفعة المالية التي أُقرت لموظفي القطاع العام عن شهر كانون الثاني/يناير الماضي على 2000 شيكل فقط. هذا المبلغ، الذي يضخ في الأسواق في نيسان 2026، يضع آلاف الأسر التي كانت تمثل عماد الطبقة المتوسطة تلقائياً تحت خط الفقر المدقع، كونه يغطي بالكاد نصف كلفة المعيشة الأساسية، ما يجبر المواطنين على الاستدانة المستمرة وتقليص استهلاكهم الحيوي.
ولا تقتصر أزمة المداخيل على القطاع العام، بل تمتد لتضرب جذور القطاع الخاص وسوق العمل برمته. وتكشف المعطيات أن نحو 14.6 بالمئة من العاملين بأجر في القطاع الخاص بالضفة الغربية يتقاضون رواتب تقل عن الحد الأدنى القانوني البالغ 1880 شيكلاً. ويتزامن هذا الضعف في الأجور مع صدمة تشغيلية كبرى، إثر فقدان عشرات الآلاف من العمال لمصدر دخلهم الرئيسي، مع تراجع أعداد العاملين داخل إسرائيل من نحو 200 ألف إلى 50 ألف عامل فقط، ما حرم آلاف الأسر من أي سيولة نقدية.
وتكتسب هذه المؤشرات الراهنة خطورتها عند البناء على المخرجات التراكمية التي رصدتها الجهات الرسمية مؤخراً. فبحسب تقرير مرجعي مشترك للإحصاء وسلطة النقد صدر في نهاية عام 2025، تراجع إجمالي الاستهلاك في الأراضي الفلسطينية بنسبة 24 بالمئة (بواقع 12 بالمئة في الضفة و81 بالمئة في غزة)، وهو مؤشر مباشر على اتساع رقعة الفقر ولجوء الأسر القسري للتقشف وحرمان نفسها من سلع أساسية.
وأظهرت تلك المعطيات الرسمية كيف قفزت مستويات البطالة لتبتلع نحو نصف القوى العاملة الوطنية بمعدل 46 بالمئة، مسجلة 28 بالمئة في الضفة الغربية، في حين بلغت 78 بالمئة في قطاع غزة. والأخطر في ذلك الرصد هو الإقرار بأن المشهد في غزة تجاوز مفهوم الفقر التقليدي ليبلغ حد المجاعة وانعدام الأمن الغذائي، ما دفع معدلات الفقر الوطنية العامة لملامسة حاجز 74 بالمئة.
ومع استمرار الانهيار الاقتصادي في عام 2026، تضع هذه التراكمات المشهد أمام سؤال مفتوح ومقلق. فإذا كانت بيانات نهاية العام الماضي قد وثقت هذا التراجع الحاد في المداخيل وعجز الأسر عن تلبية استهلاكها الطبيعي، فإلى أي مستوى كارثي انحدرت معدلات الفقر الفعلية اليوم، في وقت يواجه فيه سوق العمل شللاً عميقاً وتكتفي الحكومة بضخ دفعات لا تسد الرمق؟
المصدر: الاقنصادي
ي.ك

