كشفت تحليلات صحيفة “ذا أتليتيك” أن أندية الدوري الإنجليزي الممتاز سجلت خسائر تشغيلية قياسية خلال الموسم الماضي، رغم وصول الإيرادات إلى مستويات غير مسبوقة أيضا.
فعلى مستوى الأندية العشرين في الدوري الإنجليزي الممتاز، الذي يُنظر إليه باعتباره أغنى دوري كرة قدم في العالم، بلغت الخسائر التشغيلية الأساسية مجتمعة نحو 2.24 مليار دولار خلال موسم 2024-2025، بزيادة لافتة بلغت 43% خلال عام واحد فقط، في مؤشر واضح على تسارع وتيرة الاختلال المالي.
وفي المقابل، ارتفعت النفقات بوتيرة أسرع بكثير من الإيرادات، حيث زادت عبر ثلاث ركائز رئيسية – الأجور، واستهلاك رسوم الانتقالات، والمصاريف التشغيلية – بما يصل إلى 1.24 مليار دولار، أي ما يقارب ضعف نمو الإيرادات الجماعية الذي لم يتجاوز 630 مليون دولار. هذا الفارق يعكس فجوة متزايدة بين ما تكسبه الأندية وما تنفقه للحفاظ على قدرتها التنافسية.
ولا تشمل هذه الخسائر التشغيلية أرباح بيع اللاعبين، وهي آلية لجأت إليها عدة أندية في السنوات الأخيرة لتحسين مظهر حساباتها السنوية. لكن حتى بعد إدراج هذه العائدات، تبقى الصورة بعيدة عن الإيجابية، إذ بلغت الخسائر التشغيلية الشاملة نحو 920 مليون دولار، وهو رقم لا يتجاوزه سوءًا سوى ما حدث في موسم 2019-2020 خلال تداعيات جائحة كوفيد-19.
أما على مستوى النتائج قبل الضرائب، فقد تكبدت الأندية خسائر وصلت إلى 1.07 مليار دولار في موسم واحد، وهو ثاني أسوأ رقم في تاريخ المسابقة. وكان يمكن أن تكون هذه الخسائر أكثر حدة لولا الاعتماد المتزايد على ما يُعرف بـ”الأرباح الدفترية”، الناتجة عن إعادة هيكلة الأصول داخل نفس المجموعات المالكة وهي ممارسات محاسبية تمنح دفعة شكلية للميزانيات، دون أن تعكس تحسنًا حقيقيًا في الأداء المالي.
من أبرز هذه العمليات:
- بيع نيوكاستل يونايتد الداخلي لملعبه سانت جيمس بارك والأراضي المحيطة.
- معاملات مماثلة من نادي أستون فيلا.
- نقل أصول لدى نادي إيفرتون.
وقد أسفرت هذه العمليات عن تحقيق أرباح “ورقية” تُقدّر بنحو 400 مليون دولار، وهي مكاسب محاسبية لا تعكس تدفقات نقدية حقيقية بقدر ما تُحسّن صورة البيانات المالية مؤقتًا. ولولا هذه المعالجات، لكانت خسائر ما قبل الضرائب قد تجاوزت 1.36 مليار دولار، ما يبرز حجم الفجوة الفعلية بين الإيرادات والمصروفات.
وعلى امتداد سبع سنوات، تكبّدت أندية الدوري الإنجليزي الممتاز خسائر تراكمية تفوق 5.44 مليار دولار، في مفارقة لافتة مع استمرار نمو الإيرادات التي بلغت 9.24 مليار دولار في موسم 2024-2025. ويعود هذا الارتفاع أساسًا إلى تنامي مصادر الدخل غير المرتبطة بالبث التلفزيوني، مثل الرعايات التجارية، والتسويق، وإيرادات أيام المباريات وهي مؤشرات تعكس قوة العلامة التجارية للدوري عالميًا، لكنها لم تكن كافية لتعويض التسارع الكبير في وتيرة الإنفاق.

تضخم الأجور والفجوة بين الأندية
ارتفعت الأجور في أندية الدوري الإنجليزي الممتاز إلى نحو 5.98 مليار دولار، بزيادة 490 مليون دولار (9%) خلال موسم واحد، ليبلغ متوسط فاتورة الرواتب لكل نادٍ حوالي 300 مليون دولار. وتمثل هذه الأجور اليوم ما يقارب 65% من إجمالي الإيرادات، وهي نسبة تبدو “مقبولة” نظريًا، لكنها في الواقع تخفي اختلالًا عميقًا في التوازن المالي داخل المسابقة.
فالفجوة بين أندية القمة وبقية الفرق باتت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى؛ إذ تنفق أندية “الستة الكبار” مثل مانشستر يونايتد ومانشستر سيتي وليفربول نحو 55% فقط من إيراداتها على الرواتب، مستفيدة من مداخيل ضخمة ومتنوعة، سواء من الحقوق التجارية أو المشاركات القارية.
في المقابل، ترتفع هذه النسبة إلى 76% لدى بقية الأندية، وهو ما يعني أن الجزء الأكبر من دخلها يذهب مباشرة لتغطية الأجور، ما يترك هامشًا ضئيلًا للغاية لتغطية باقي التكاليف أو تحقيق أي توازن مالي.
هذا الخلل يتفاقم مع الارتفاع الحاد في المصاريف التشغيلية، التي قفزت إلى 2.58 مليار دولار، أي ما يعادل 28% من الإيرادات، بعدما كانت تدور حول 20% فقط قبل عام 2022. وتشمل هذه المصاريف تكاليف الإدارة، والتشغيل اليومي، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية، ما يعكس تضخم كلفة إدارة الأندية في السنوات الأخيرة.
وعند جمع الرواتب مع هذه المصاريف، تتضح الصورة القاتمة: العديد من الأندية خارج دائرة النخبة باتت تستهلك كامل إيراداتها، بل وتتجاوزها، حتى قبل احتساب تكاليف الانتقالات، وهو ما يضعها في دائرة عجز شبه دائم.
أما في سوق الانتقالات، فرغم تراجع صافي الإنفاق نسبيًا، إلا أنه ظل عند مستويات مرتفعة، مقتربًا من 1.9 مليار دولار، مع إنفاق نقدي مباشر بلغ 1.36 مليار دولار. وفي الوقت نفسه، ارتفعت تكلفة استهلاك الصفقات (تقسيط قيمة الانتقالات محاسبيًا) لتقترب من 2.72 مليار دولار سنويًا، وهو ما يمثل عبئًا ماليًا مستمرًا يضغط على ميزانيات الأندية لسنوات لاحقة.
ورغم تحقيق أرباح قياسية من بيع اللاعبين بلغت نحو 1.32 مليار دولار، فإن ذلك لم يكن كافيًا لتعويض هذا الإنفاق المتضخم، حيث واصلت الأندية تسجيل خسائر كبيرة.
هذا التناقض يعكس بوضوح أن نموذج الأعمال في الدوري، رغم ضخامته، يقوم على دورة مالية غير متوازنة، بالاعتماد على إنفاق مرتفع للحفاظ على التنافسية، يقابله اعتماد متزايد على مداخيل غير مستقرة أو على دعم الملاك، ما يؤدي في النهاية إلى نزيف مالي مستمر.

الاعتماد على الملاك
لم ينجح في تحقيق تدفق نقدي إيجابي سوى ليفربول، في وقت غرقت فيه بقية أندية الدوري الإنجليزي الممتاز في عجز جماعي تجاوز 2.04 مليار دولار. هذا العجز لم يكن ليُغطّى لولا التدخل المباشر للمُلّاك، الذين تحولوا فعليًا إلى شريان الحياة الرئيسي للأندية، يضخّون الأموال بشكل مستمر للحفاظ على استمرارية النشاط والتنافسية.
ويبرز في هذا السياق ما قام به مالكو تشيلسي، الذين ضخّوا أكثر من 1.36 مليار دولار خلال ثلاث سنوات فقط، في واحدة من أضخم عمليات التمويل في تاريخ كرة القدم الحديثة. كما قدّم مالكو إيفرتون وبرايتون مئات الملايين، سواء لتغطية الديون أو لتمويل النفقات التشغيلية والانتقالات.
وبشكل عام، تجاوزت مساهمات المُلّاك 1.77 مليار دولار في موسم واحد، للسنة الثالثة على التوالي، في مؤشر واضح على أن النموذج الاقتصادي للدوري لم يعد قائمًا على الاستدامة الذاتية، بل على الدعم الخارجي المستمر.
ورغم الصورة اللامعة التي يتمتع بها الدوري الإنجليزي باعتباره الأكثر ثراءً وجاذبية، فإن الواقع المالي يكشف عن أزمة هيكلية عميقة. فظاهرة الخسائر لم تعد استثناءً، بل أصبحت القاعدة، وتمتد جذورها إلى ما هو أبعد من دوري النخبة.
ففي دوري الدرجة الأولى، أو ما يُعرف بـ”التشامبينشيب”، تجاوزت الخسائر 4.08 مليار دولار خلال عقد واحد، نتيجة سباق محموم نحو الصعود إلى الدوري الممتاز، حيث تضخ الأندية استثمارات ضخمة دون ضمانات حقيقية للعائد.
أما على مستوى النتائج المالية، فقد كان المشهد أكثر دلالة، فقط أربعة أندية تمكنت من تحقيق أرباح حقيقية -دون اللجوء إلى مناورات محاسبية – وهي: ليفربول، بورنموث، إيبسويتش تاون، وكريستال بالاس.
هذه الأرقام تعكس مفارقة صارخة وهي أن أغنى دوري في العالم من حيث الإيرادات، يعاني في العمق من نموذج مالي هش، قائم على الإنفاق المفرط، والاعتماد المزمن على أموال المُلّاك، دون وجود مسار واضح لتحقيق التوازن أو الربحية المستدامة.




