أسوأ ما يمكن أن يحدث للمبدع

أسوأ ما يمكن أن يحدث للمبدع
زياد خدّاش
13 سبتمبر 2022

ليس أن يموت من الجوع لأن الكتب لا تطعم أحداً، وليس أن يتعرض للمضايقات من الأدباء الأسبق على مشهده الأدبي، قلقا من طرفهم لأنه يواصل نصه المختلف، وليس أن تمتنع دور النشر عن نشر كتبه لأنها خارجة عن السياق المريح، وليس لأنه عجز فجأة عن مواصلة الكتابة، أسوأ ما يمكن أن يحدث للمبدع هو أن تقفل أمامه خيارات العمل فيجد نفسه في وظيفة حكومية، هو فيلم رعب حقيقي يعجز الخيال عن تصوره، يصل هذا الكائن الهش الحساس المرتبك مدخل مكتبه في الوزارة فيجد آلة عجيبة ملصقة في جدار تصيح فيه: ابصم هنا لأعرفك، يثبت الهش بصمته فيصير معروفاً، ليس معروفاً ككاتب طبعاً كما يحلم بل كرقم وظيفي أو ملف، المفجع أن هذا الهش يكتشف أن لا شيء يشبهه هنا، فالمقدس هنا ليس المقدس عنده، ما يُضحك الموظفين هنا لا يُضحكه، وما يُبكيه لا يُبكيهم، هذا المكان ثابت لا ماء فيه، والوقت مهدور بشكل مروّع، وكثيراً ما ترى شخصاً في مكانه غير المناسب..

فقد تجد موظفاً يحمل تخصصاً في الزراعة ويعمل في وزارة السياحة..!

يجلس الهش في مكتبه غير قادر على التواصل مع احد، عاجز تماماً عن إقناع أحد بعالمه الداخلي، يُمضي يومه يحاول أن يصنع تغييراً في منظومة العمل فيتصدى له النهج الثابت ويجبره على العمل الذي لا روح فيه، يخرج الهش من المكان في نهاية الدوام بعد أن تصرخ فيه الآلة: ابصم لأعرفك، فيبصم ويهرول إلى الشارع، وهناك يوقفه أشخاص طيبون لا يعرفهم لكنهم يعرفونه، يستأذنونه لأن يتصوروا معه فيوافق بخجل، فيلاحظ ذلك الآذن الواقف على باب الوزارة فيستغرب فيذهب إلى المبدع سائلاً إياه: يا أستاذ إنت أمرك غريب إنت ليش الناس بتتصور معك في الشارع، وجوا بالوزارة ما حدا سائل عنك؟؟

 

  • صحيفة الأيام
  • ي.ك