بالتزامن مع الحرب على إيران.. المستوطنون يشعلون الضفة بالقتل والدم

محافظة سلفيت: 368 انتهاكاً ارتكبها الاحتلال والمستوطنون الشهر الماضي
09 مارس 2026
(شباب اف ام) -

شهدت الضفة الغربية أسبوعًا دامياً تزامن مع اندلاع العدوان الإسرائيلي-الأمريكي على إيران، حيث ارتقى ثمانية شهداء بين الثامن والعشرين من الشهر الماضي والسابع من الجاري. سبعة منهم ارتقوا برصاص المستوطنين الذين يمارسون جرائمهم اليومية بغطاء عسكري لقوات الاحتلال، موزعين على ثلاث مناطق: ثلاثة في قرية أبو فلاح شمال رام الله، وثلاثة في يطا ودورا والظاهرية بمحافظة الخليل، إضافة إلى اثنين في قرية قريوت جنوب نابلس. هذا التصعيد يعكس استغلال المستوطنين لحالة الحرب الإقليمية للانتقال من دائرة الاستيلاء على الأراضي إلى مربع القتل المفرط.

ويبيّن مدير وحدة نظم المعلومات في معهد الأبحاث التطبيقية “أريج”، عيسى زبون، أن ذروة الاعتداءات تزامنت مع الأسبوع الأول من الحرب بين الاحتلال وإيران، حيث سُجلت عشرات الإصابات، إلى جانب عمليات تهجير صامتة تطال عددًا من التجمعات السكنية، وقتل 8 فلسطينيين.

ويؤكد زبون أن المستوطنين حصلوا خلال الأيام الأخيرة قبل بدء الحرب على إيران على دعم إضافي في الضفة الغربية، تمثل في تزويدهم بمركبات دفع رباعي إضافية وطائرات مسيّرة، موضحًا أن المستوطنين يتمركزون على التلال ويستخدمون هذه الطائرات لملاحقة المزارعين والسكان في المناطق الريفية والقرى الفلسطينية ويراقبون تحركاتهم لتنفيذ الهجمات القاتلة.

ويضيف أن زمام الأمور في الضفة الغربية بات في كثير من الأحيان بيد المستوطنين أكثر من الجيش، موضحًا أنه رغم استمرار أوامر الهدم والمصادرة والاستيلاء التي ينفذها الجيش، فإن ذلك يتم في إطار تكاملي مع المستوطنين وبرعاية ودعم منهم. أما عمليات القتل التي ينفذها المستوطنون، فلا تحتاج إلى الآليات الرسمية ذاتها، إذ يكفي أن يكون المستوطن مسلحًا ويرتدي زيًا عسكريًا، مع ضمان الحماية اللاحقة من قبل قوات الاحتلال بعد تنفيذ الاعتداء.

ويرى زبون أن هذه المعادلة جعلت القتل بالنسبة للمستوطنين أقل كلفة من عمليات المصادرة أو الاستيلاء الرسمية التي تتطلب إجراءات إدارية وقانونية أطول. كما يشير إلى أن السياسات التي ينتهجها إيتمار بن غفير أسهمت في تقليص آليات الملاحقة القانونية للمستوطنين الذين يطلقون النار على الفلسطينيين، الأمر الذي أدى إلى غياب المساءلة الفعلية، حيث لم يُعرض أي مستوطن أطلق النار على فلسطينيين أمام القضاء الإسرائيلي، ولم تُقدَّم بحقه لوائح اتهام.

ويضيف أن هذا الواقع يعزز شعور المستوطنين بالتشجيع على ممارسة العنف، خاصة في ظل الانتشار الواسع للسلاح بينهم، محذرًا من أن المرحلة المقبلة قد تشهد ارتفاعًا أكبر في عمليات القتل والاعتداءات.

وعلى الصعيد الدولي، يلفت زبون إلى أن غياب تحرك فعّال من المؤسسات الدولية خلال أسبوع الحرب على إيران، أسهم في تسهيل فرض وقائع جديدة على الأرض من خلال التهجير والاعتداءات.

أما منسق اللجنة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان، بشار القريوتي، يقول إن السلوك الاستيطاني في الضفة الغربية بات يتسم بدرجة غير مسبوقة من التطرف مستغلّين الظروف الأمنية الراهنة وغياب التغطية الإعلامية الدولية لما يجري في الضفة الغربية، إثر الحرب على إيران.

ويضيف أن المستوطنين استغلوا هذه الظروف للانتقام من الشعب الفلسطيني، حيث انتقلوا من مرحلة الاعتداءات المتكررة إلى مرحلة القتل المباشر بالرصاص وتصفية أرواح المواطنين في عدد من المناطق، بأساليب انتقامية متطرفة، ما يستدعي تدخلاً دوليًا واسع النطاق.

ويبيّن القريوتي أنهم تواصلوا مع جهات دولية متعددة، بما في ذلك القناصل والبعثات الدبلوماسية، وكذلك القنصلية الأمريكية عقب الأسبوع الدموي الذي مرّ على الضفة. ويشير إلى أنهم أعدّوا تقريرًا يوثق الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين في الضفة وقدّم إلى القنصلية الأمريكية، لوضعها في صورة الانتهاكات التي يجري التغاضي عنها دون ممارسة ضغط فعلي على الاحتلال لوقفها.

ويتابع أنه جرى إبلاغ هذه الجهات بأن استمرار الجرائم دون تدخل فعلي قد يدفع باتجاه فتح ملف دولي على مستوى عالٍ، مؤكدًا أنهم يعملون على ملفّ تحقيق شامل يجمع الأدلة المتعلقة بالجرائم التي يرتكبها المستوطنون، خلال الحرب على إيران.

ويرى القريوتي أن هناك محاولة واضحة للإفلات من محاسبة المستوطنين، في ظل تجاهل من قبل شرطة وجيش الاحتلال، ما يسمح لهم بالهروب من العقاب. ويشير إلى أنه رغم محاولة إظهار وجود ملاحقة أو متابعة رسمية، فإن الواقع الميداني يثبت أن أي مستوطن ارتكب جريمة قتل خلال الأسبوع الماضي بقي طليقًا دون محاسبة، بل واصل ارتكاب المزيد من الاعتداءات.

ويستشهد بما جرى في بلدة قريوت، حيث شوهد المستوطن الذي قتل شقيقين من البلدة في الثاني من الشهر الجاري وهو يقيم بؤرة استيطانية جديدة في المنطقة. كما يواصل المستوطنون، بحسب قوله، تحدي القرارات الإسرائيلية، إذ أعادوا إقامة البؤرة الاستيطانية بعد هدمها من قبل شرطة الاحتلال عقب جريمة القتل.

ويضيف أن المستوطنين يدعون عبر صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي إلى التبرع لإقامة تجمع استيطاني جديد في المنطقة، إلى جانب التحريض على مهاجمة القرى الفلسطينية والدعوة إلى تفريغها من سكانها.  ويؤكد أن المستوطنين سيركّزون خلال الأيام القادمة في أطماعهم للانتقال إلى مناطق مصنفة “ب”، في محاولة للاستيلاء على مزيد من الأراضي الفلسطينية، وتنفيذ عمليات قتل فيها.

كما يشير القريوتي إلى أن العديد من المستوطنين باتوا مجندين أو يعملون ضمن تشكيلات مسلحة. ويستشهد بما جرى في حادثة القتل بقريوت ويطّا، حيث تنصل الجيش من المسؤولية عن الجريمة وادعى أن القاتل مستوطن وليس جنديًا، لتجنب تحميل الجيش المسؤولية المباشرة في المحاكم، زاعمًا أن المستوطنين استغلوا اللباس العسكري.

ويقول إن الواقع الميداني يعكس تكاملاً واضحًا بين أدوار الجيش والمستوطنين والشرطة الاسرائيلية. ويضيف: “هذا كلّه يتم في ظلّ غياب كامل للجهات الرسمية الفلسطينية عن الأرض، التي يتراجع دورها في ظلّ الضغوط المتزايدة على السلطة”.

ويبيّن أن الاحتلال رفع الكلفة في المواجهة، وأصبح أي شخص يشارك في عمل شعبي أو حتى يعبّر عن موقفه أو يكتب ضد هذه السياسات عرضة للاعتقال والاستهداف، والآن بات عرضة للقتل من قبل المستوطنين.

بدوره، يرى مدير مركز إعلام حقوق الإنسان “شمس”، عمر رحال، أن تصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية يرتبط بشكل مباشر بسياسات حكومة الاحتلال الحالية، ولا سيما برئيسها بنيامين نتنياهو، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش الذي يعمل على تمويل المستوطنين، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الذي يتولى تسليحهم. ويوضح أن نتنياهو منح الوزيرين ضوءًا أخضر للتصرف بحرية، بهدف حماية الائتلاف الحكومي من الانهيار، وذلك على حساب الدم الفلسطيني خلال الحرب على إيران.

ويضيف رحال أن استمرار الائتلاف الحكومي الإسرائيلي بات مرهونًا عمليًا باستمرار هذه السياسات، ما يفتح المجال أمام عربدة المستوطنين واعتداءاتهم وعمليات القتل ومصادرة الأراضي، وتمكينهم من تنفيذ اعتداءات أوسع بحق الفلسطينيين. ويشير إلى أن عمليات القتل التي نفّذت خلال أسبوع لم تجري بمعزل عن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، بل بدعم واضح من جيش الاحتلال، وبتعليمات من قياداته.

ويؤكد رحال أن الاعتداءات الحالية ليست مجرد استغلال لظروف الحرب، بل امتداد لسياسات أقدم، ما يعني أنها ليست أمرًا ظرفيًا أو آنيًا، بل جزء من سياسة ممنهجة تستند إلى توجهات واضحة وتعليمات مباشرة، مشيرًا إلى أن تسليح المستوطنين وتمويلهم سبق الحرب الحالية بسنوات.

ويذكّر رحال بأن الضفة الغربية كانت غالبًا ما تتحول إلى ساحة تصعيد أوسع في كل مرة تشهد فيها المنطقة حالة أمنية معيّنة، كالتهدئة في غزة، أو الحرب الإيرانية-الإسرائيلية السابقة، إذ تتزايد في تلك الفترات عمليات حرق المحاصيل، والاعتداء على القرى، ومصادرة الأراضي، والتوسع الاستيطاني، والآن بات العنوان “زيادة القتل”.

وفي ما يتعلق بالوضع الفلسطيني الداخلي، يقول رحال: “نحن في حالة كارثية، شديدة التعقيد (…) المواطنون يواجهون ملفّات ضاغطة، مثل الاستيطان الرعوي، ومصادرة الأراضي، وانتشار الحواجز، وإغلاق المسجد الأقصى، إلى جانب الإبادة الجارية في غزة، وأزمة أموال المقاصة، وقضية مخصصات الأسرى والشهداء والجرحى، وغيرها من الملفات المتراكمة”. كلّ ذلك جاء بفعل التشتت الفلسطيني وغياب خطّة مواجهة لهذه الملفات.

وعن الواجب قيامه من قبل الجهات الرسمية والأهلية، يشير رحال إلى أن تعزيز دعم المواطن في المأكل والمشرب وسدّ الغرامات المالية عنه أمام محاكم الاحتلال لم يعد كافيًا على أهميّته، لأن جوهر المشكلة يكمن في طبيعة المواجهة غير المتكافئة، في ظل تسليح المستوطنين. ويتساءل: “كيف يمكن للمواطن الأعزل أن يواجه مستوطنًا يحمل سلاحًا من طراز M16”.

ذلك كلّه، وفق رحال، يستدعي مراجعة شاملة على قاعدة طاولة حوار تضم الفصائل الفلسطينية والحكومة والأكاديميين والصحفيين والمثقفين، من أجل صياغة استراتيجية وطنية واضحة وخطة مواجهة متكاملة لمواجهة اعتداءات المستوطنين. مبينًا أن “التعاطي الفلسطيني الرسمي والأهل مع هذه التطورات ما زال محصورًا في إطار ردود الفعل، وفي إصدار البيانات”.

المصدر: شبكة قدس

ي.ك