قال وزير المالية، أسطيفان سلامة، إنه “بجهود غير مسبوقة وبصعوبة بالغة تكاد تكون شبه مستحيلة”، سيتم صرف جزء من رواتب الموظفين العموميين بنسبة 60% وبحد أدنى 2000 شيكل، يوم الاثنين المقبل.
وأوضح خلال مؤتمر صحفي عقده اليوم الخميس للحديث حول التطورات الاقتصادية والمالية الراهنة، أن دفع 60% من الرواتب لم يكن عملية سهلة بتاتاً، خاصة أن الإيرادات المحلية لا تغطي النفقات بالكامل، وأن ما نملكه يغطي فقط نحو 10% من احتياجاتنا، بينما يتم تغطية 60% من الرواتب، مشددا أن العام الجاري سيكون الأصعب ماليا على السلطة الفلسطينية.
وأضاف أن خدمات القروض تستنزف نسبة كبيرة من الموارد، مشيراً إلى أن الإيرادات المحلية تبلغ حوالي 400 مليون شيكل شهرياً، في حين تستهلك خدمات القروض بين 250 و300 مليون شيكل شهرياً. مؤكدا أنه سيتم إعادة صياغة آلية الاقتراض من البنوك الفلسطينية، نتيجة الضغط الإسرائيلي المستمر عليها.
وشدد سلامة أن حقوق الموظفين محفوظة ولن تُشطب مهما اشتدت الأزمة، مشدداً على التزام السلطة الكامل تجاه أبناء شعبها وموظفي القطاع العام الفلسطيني.
ولفت إلى أن حالة الصمود الحالية هي نتيجة تكاتف مختلف مكونات المجتمع، وليس المؤسسات الرسمية فقط، مشيراً إلى أن المواطن وجميع المؤسسات تعاني من تداعيات الأزمة، بما يشمل المستشفيات والموردين والمقاولين وشركات القطاع الخاص، إضافة إلى موظفي القطاع العام المدنيين والعسكريين، داعياً الجميع إلى التكاتف للحفاظ على المشروع الوطني والاستمرار في تقديم الخدمات للمواطنين.
وأكد سلامة أن ما يعيشه الفلسطينيون “ليس أزمة عابرة، بل تهديد وجودي لقدرتنا على توفير الخدمات الأساسية للمواطن الفلسطيني”، معتبراً أن هذا التهديد الحقيقي تقف وراءه الحكومة الإسرائيلية بهدف تدمير السلطة الفلسطينية.
وأوضح أن استهداف إسرائيل للبنوك الفلسطينية “لعب بالنار وتجاوز لكل الخطوط الحمراء”، لافتاً إلى أن المقاصة تمثل معركة سياسية قبل أن تكون فنية، وأن إسرائيل تستخدم المال سلاحاً في مواجهة الفلسطينيين.
وأشار إلى أن السلطة الفلسطينية تلقت نحو 850 مليون دولار من الدول المانحة خلال العام الماضي، واصفاً هذا الدعم بأنه “دعم سياسي للحقوق الفلسطينية”، ومضيفاً أن اعتراف مزيد من الدول بفلسطين وفر غطاءً سياسياً.
وقال سلامة إن إسرائيل “تسرق نحو 70% من إيراداتنا”، مضيفاً أن الوضع الطبيعي في ظل هذه المعطيات كان يفترض أن يقود إلى انهيار مالي للسلطة، إلا أن ما يحدث حالياً هو “وضع غير طبيعي، أشبه بالمعجزة”، مؤكداً أن ذلك لا يعود إلى الإدارة المالية فقط، بل إلى وجود تكاتف حقيقي من مختلف المؤسسات والجهات الرسمية وغير الرسمية.
وأوضح وزير المالية أن المديونية العامة للسلطة الفلسطينية وصلت إلى 15 ملياراً و436 مليون دولار، نتيجة سرقة إسرائيل لأموال الفلسطينيين، وأن السلطة لم تستلم أي أموال من إسرائيل للشهر العاشر على التوالي، مما جعل الوضع المالي خطيراً ويهدد قدرتها على تقديم الخدمات للمواطنين، داعياً المجتمع الدولي للضغط على إسرائيل للإفراج عن هذه الأموال، مؤكداً أن المقاصة حق للسلطة ولا يوجد بديل عنها، وأن الجهود مستمرة للحفاظ على عمل المؤسسات.
وأشار سلامة إلى أن الدعاوى الإسرائيلية ضد السلطة بلغت 475 دعوى تطالب بتعويضات تصل قيمتها إلى 65 مليار شيكل، كما وصلت الاقتطاعات الإسرائيلية من عائدات المقاصة إلى 4.4 مليار دولار. ولفت إلى أن الالتزام الإسرائيلي الكامل بتحويل عائدات الضرائب خلال عام 2025 كان سيمكّن السلطة من دفع الرواتب كاملة وإنهاء العام بعجز أقل بواقع 400 مليون شيكل، لكن بسبب الاقتطاعات انتهى العام الماضي بعجز تجاوز 4.5 مليار شيكل.
ولفت إلى أن الإيرادات المحلية للسلطة بلغت 5.1 مليار شيكل خلال العام الماضي، بينما بلغت عائدات المقاصة 10.2 مليار شيكل، ولم يتم تسليم السلطة إلا 1.9 مليار شيكل فقط. وأضاف أن الدعم الحكومي السنوي الموجه لقطاعات مختلفة يصل إلى نحو مليار دولار (300 مليون شيكل)، ويشمل دعم البترول والكهرباء والمياه وقطاعات أخرى.
وأكد سلامة أن الالتزام الضريبي أصبح اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى، باعتباره العمود الفقري لتوفير الخدمات الأساسية، داعياً الجميع للتوقف عن التهرب والتهريب. وأوضح أن السلطة في طور الانتهاء من إعداد موازنة العام 2026، مع التركيز على القطاعات التي لها بعد وجودي، مشيراً إلى أن الوضع المالي لهذا العام سيكون من الأصعب في تاريخ السلطة الفلسطينية، ما يتطلب تكاتف الجميع.
وأضاف أن السلطة تقوم بمجموعة من الإصلاحات الضرورية التي لن تمس الفئات الفقيرة ولن تثقل على المواطن، مع التركيز على تحقيق العدالة الضريبية والالتزام الضريبي ومحاربة التهرب والتهريب للحفاظ على استمرار عمل المؤسسات. كما تشمل هذه الإصلاحات التحول الرقمي وربط الأنظمة ومتابعة الشكاوى بما يصب في المصلحة الوطنية.
وتابع: “حالات الفساد الموجودة تعتبر فردية، ولا نعتقد أن المنظومة أو الشعب الفلسطيني فاسد، وهناك جهات مختلفة تصف الشعب الفلسطيني بالفساد، لكنه المهم المحاسبة والمتابعة، كما أن ما يجري حالياً هو جزء من هذه العملية، وأن الأموال التي تم احتجازها سيتم استردادها”.
وأضاف سلامة أنه قام بتشكيل لجنة، بناءً على طلب من النائب العام، لاستلام جميع الأموال المحتجزة إلى الخزينة العامة، مؤكداً أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، وأن المنظومة ليست فاسدة، وواجب السلطة الاستمرار في الملاحقة والمحاسبة.
وأردف: السلطة الفلسطينية لن تتخلى عن أي مواطن فلسطيني، سواء كان أسيراً أو من أهالي الشهداء أو الجرحى، مشدداً على أن الالتزامات تجاه الجميع مستمرة رغم الأزمة المالية. وأوضح أن السلطة لم تقلل أو تستغني عن راتب أو مساعدة لأي شخص، مشيراً إلى أن الآليات قد تختلف ولكن الالتزام قائم ويتم الحفاظ عليه رغم الضغوطات.
وأضاف سلامة أن هناك مجموعة من الإصلاحات المتفق عليها بين السلطة وعدة أطراف، مشيراً إلى أن هذه الإصلاحات هي في الأساس مطالب فلسطينية داخلية مهمة للمجتمع، رغم وجود بعض المطالب الخارجية. وأوضح أن جزءاً قليلاً من هذه الإصلاحات مرتبط بالدعم المباشر، موضحاً أن من أصل 850 مليون دولار من الدعم الخارجي في عام 2025، لم يكن سوى 50 مليون دولار مرتبطاً بالإصلاحات. وأكد أن هناك العديد من الإصلاحات الجارية، وأن مصطلح “الإصلاحات” أصبح في بعض الأحيان يُفهم سلبياً بما لا يمس بحقوق الفلسطينيين.
وأشار إلى أن إسرائيل تسير باتجاه تصفير عائدات المقاصة، مؤكداً أن حل هذا الأمر سياسي، وأن إسرائيل تخالف الاتفاقيات وتسعى لتصفير المقاصة لأسباب مختلقة لا أساس مالي أو قانوني لها، وأن السلطة تتحدث مع شركائها لوضع حد لهذه الإجراءات.
وأوضح أن إجراءات التقشف تشمل سلسلة من التدابير، وأن السلطة تعمل ضمن الحد الأدنى الذي تحتاجه المؤسسات بعشر درجات للقطاعات الحيوية مثل التعليم والصحة والأمن، مشدداً على أن بعض القضايا أصبحت أموراً إجبارية وليست خيارات. وأضاف أن السلطة تحتاج إلى ما لا يقل عن مليار شيكل شهرياً لتوفير الحد الأدنى بعشر درجات من الخدمات.
المصدر: الاقتصادي
ي.ك




