“إسرائيل” والتوتر الأمريكي–الإيراني: أهداف متباينة وتداعيات استراتيجية

إسرائيل والتوتر الأمريكي–الإيراني: أهداف متباينة وتداعيات استراتيجية
د. إبراهيم نعيرات
02 فبراير 2026

في خضم النقاش المتصاعد حول مستقبل المواجهة الأمريكية–الإيرانية، يبرز طرح بالغ الحساسية يتجاوز القراءات التقليدية للصراع، مفاده أن إسرائيل قد لا تكون معنية بحرب أمريكية شاملة وسريعة ضد طهران، بقدر ما تسعى إلى كسر قواعد الاشتباك القائمة بين واشنطن وطهران، ودفع الولايات المتحدة تدريجيًا نحو صراع طويل الأمد تتحمل كلفته وحدها، بما يعيد تشكيل المشهد الإقليمي بطريقة تشبه، من حيث النتائج لا الآليات، ما حدث بعد غزو العراق عام 2003. هذا الطرح يقع في المنطقة الرمادية بين ما يفكر فيه داخل بعض الدوائر الإسرائيلية وما لا يقال علنًا، وهو خطير لكنه ليس خياليًا. يمكن صياغته بدقة على النحو التالي: إسرائيل لا تسعى بالضرورة إلى ضربة أمريكية حاسمة تسقط النظام الإيراني أو تنهي مشروعه النووي، لأنها تدرك أن هذا الهدف، إلى جانب كلفته الباهظة، غير مضمون النتائج وقد ينقلب عليها استراتيجيًا، ويهدد تماسكها الداخلي وقدرتها على مواجهة تداعيات إقليمية واسعة.

الهدف الإسرائيلي، وفق هذا الطرح، هو تغيير قواعد اللعبة نفسها، أي كسر منظومة الاشتباك المضبوطة التي تنظم العلاقة بين واشنطن وطهران منذ سنوات، حتى لو أدى ذلك إلى جر الولايات المتحدة إلى صراع طويل الأمد تتحمل كلفته السياسية والعسكرية والاقتصادية من دون تحميل تل أبيب عبء المواجهة المباشرة. قواعد الاشتباك الحالية تمثل مكسبًا لإيران أكثر مما هي لإسرائيل، إذ تقوم على الضربات غير المباشرة، والرسائل المحسوبة، وسقوف التصعيد المعروفة، وحرص متبادل على عدم الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. ضمن هذا الإطار، استطاعت إيران إدارة نفوذها الإقليمي وبناء شبكة معقدة من الحلفاء والموارد، وتوسيع هامش حركتها العسكرية والسياسية دون دفع ثمن حرب شاملة أو مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. من وجهة النظر الإسرائيلية، توفر هذه القواعد لطهران مظلة حماية غير معلنة، تمنع اختبار القوة المباشر، لكنها لا تردعها فعليًا عن التمدد الإقليمي أو الاقتراب المتدرج من العتبة النووية، ومن ثم قد تعتبر إسرائيل كسر قواعد الاشتباك إنجازًا استراتيجيًا، حتى لو لم يؤدي إلى نصر عسكري تقليدي. الهدف هنا ليس الحسم، بل إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بإيران، وجعلها دولة منشغلة بالدفاع عن نفسها، مع استنزاف تدريجي لقدراتها وتحجيم نفوذها الإقليمي.

في هذا السياق، يصبح تورط الولايات المتحدة في حرب استنزاف عاملاً يخدم إسرائيل من زاويتين متكاملتين: الأولى، تحويل إيران من لاعب هجومي إلى دولة منشغلة بالدفاع عن بقائها، على نحو يشبه، مع اختلاف السياق، ما حدث للعراق بعد 1991؛ والثانية، إعادة تثبيت إسرائيل في الوعي الأمريكي كحليف لا غنى عنه، وليس كمصدر إزعاج استراتيجي أو عبء سياسي على صانع القرار في واشنطن. ومع ذلك، يجب الحذر عند تشبيه هذا السيناريو بـ “عراق جديدة”، فإيران ليست العراق من حيث الحجم الجغرافي والبشري، البنية السياسية والمؤسساتية، أو شبكة العلاقات الإقليمية والقدرات العسكرية التي راكمتها خلال العقود الماضية. الاستنزاف المحتمل لن يتم عبر احتلال بري مباشر، بل من خلال نمط مركب من الضربات المتبادلة، الردود غير المتماثلة، حروب الوكلاء، تعطيل الملاحة، وضغوط اقتصادية مستمرة، وفي مثل هذا السيناريو لا تتعزز الهيبة الأمريكية بل تتآكل تدريجيًا مع كل جولة تصعيد غير حاسمة، وكل التزام مفتوح بلا أفق واضح.

تكمن المفارقة الأساسية في أن ما قد تراه إسرائيل نجاحًا تكتيكيًا لإضعاف خصمها الإقليمي الأكبر، قد يتحول إلى فشل استراتيجي أمريكي واسع النطاق، إذ ستستنزف حرب الاستنزاف الطويلة الولايات المتحدة سياسيًا وماليًا وعسكريًا، وتتيح للصين وروسيا توسيع هامش حركتهما الدولية، وتزعزع أسواق الطاقة العالمية، وهي نتائج تتناقض مع المصالح الأمريكية بعيدة المدى وأولوياتها الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين.

هل تملك إسرائيل فعلاً القدرة على توريط الولايات المتحدة في هذا السيناريو؟ الجواب ليس بسيطًا، فإسرائيل لا تستطيع فرض قرار الحرب على واشنطن بشكل مباشر أو قسري، لكنها تمتلك أدوات تأثير غير مباشرة تبدأ بخلق وقائع تصعيدية ترفع كلفة عدم التدخل الأمريكي، ولا تنتهي باللعب على وتر المصداقية والهيبة، واستغلال لحظات سياسية داخلية أو سمات شخصية قيادية في البيت الأبيض تميل إلى اتخاذ قرارات كبرى بدافع الرمزية أو استعراض القوة أكثر من الحسابات طويلة الأمد. ومع ذلك، هناك حساب مضاد مهم: إذا انخرطت الولايات المتحدة في حرب طويلة ومكلفة مع إيران، قد لا يميز الرأي العام الأمريكي بين قرار الحرب ومن دفع إليه، وقد تتحول إسرائيل إلى موضع مساءلة سياسية وأخلاقية داخل الداخل الأمريكي، في تكرار لمعادلة “من ورط من؟” بشكل غير مسبوق منذ عقود، وهو ما يمثل أحد أكبر عوامل الردع أمام أي اندفاع إسرائيلي غير محسوب.

كما أن أي حرب استنزاف طويلة تعني جبهات مفتوحة، وضغوطًا اقتصادية داخلية، وتآكل تدريجي في صورة الردع، حتى لو كانت الضربات الأمريكية هي العنوان الأبرز في المشهد. أي خطأ في الحسابات أو سوء تقدير لردود الفعل الإيرانية قد ينقل الصراع من مستوى مدار ومضبوط إلى انفجار واسع لا يمكن احتواؤه. من هنا، يبقى احتمال وجود دوائر إسرائيلية ترى في كسر قواعد الاشتباك وتدويل الصراع مع إيران خيارًا استراتيجيًا أفضل من بقاء الوضع الراهن، احتمالًا قائمًا لكنه محفوف بالمخاطر، لا يضمن النتائج، وقد ينتهي بإعادة إنتاج كارثة استراتيجية شبيهة بالعراق، في بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للسيطرة. والسؤال الجوهري لا يتعلق فقط بما إذا كانت إسرائيل تريد هذا المسار، بل بما إذا كانت واشنطن تدرك أنها قد تُدفع، خطوة بعد أخرى، إلى حرب لا تشبه الحروب التي تعتقد أنها تعرف كيف تبدأها أو كيف تخرج منها.

 

  • صحيفة القدس
  • ي.ك