ائتلاف أمان يناقش مسودة تقرير حول النزاهة والشفافية في إدارة وتنمية أموال اليتامى

04 ديسمبر 2025
(شباب اف ام) -

عقد الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان) جلسة نقاش لعرض ومناقشة مسودة تقريره بعنوان “النزاهة والشفافية والمساءلة في إدارة وتنمية أموال اليتامى”، بمشاركة محافظ سلطة النقد عطوفة السيد يحيى شنار، ورئيس مجلس إدارة مؤسسة إدارة وتنمية أموال اليتامى السابق، إضافة إلى إدارة المؤسسة ممثلة بمديرها العام السيد أمجد المصري، وبمشاركة ممثلين عن مجلس الوزراء ووزارة العدل، وعدد من الجهات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني والخبراء المختصين. وتأتي هذه الجلسة في إطار تعزيز الحوار حول حوكمة المؤسسات التي تدير المال العام، لا سيما الأموال المتعلقة بفئة شديدة الحساسية مثل اليتامى.

مزيد من الأخبار على قناة شباب اف ام عبر تلغرام

افتتح المدير التنفيذي لائتلاف أمان، عصام حج حسين، الجلسة مرحّبًا بالحضور، وبمشاركة المسؤولين المباشرين في الحوار حول إدارة المال العام، مؤكداً أن دور أمان لا يتمثل في تقييم المؤسسات من ناحية أداء خدماتها، بل في مراقبة التزامها بقيم النزاهة والشفافية والمساءلة وتقديم توصياتها لتعزيز منظومة الحوكمة في عملها.

إطار تشريعي غير مستقر

استعرض الباحث أحمد أبو دية التقرير بشمولية، موضحًا أنه يسعى إلى تعزيز قيم الحوكمة الرشيدة داخل المؤسسة، بالتطرق إلى ثلاثة محاور رئيسية يتناولها التقرير، وهي الإطار التشريعي والمؤسسي الذي ينظم عمل المؤسسة، والواقع العملي لمؤشرات النزاهة والشفافية، ثم الاستنتاجات العامة والتوصيات المقترحة لتعزيز الحوكمة داخل المؤسسة.

كشف التقرير أن المؤسسة تعمل ضمن إطار تشريعي اتسم خلال السنوات الأخيرة بتعدد القرارات والقوانين، ما أدى إلى غياب الاستقرار التشريعي. ورغم وجود القرار بقانون رقم (10) لسنة 2023 كأحدث مرجع قانوني، إلا أنه يفتقر إلى العديد من عناصر الحوكمة الأساسية، مثل ضمانات منع تضارب المصالح، وآليات الإفصاح المالي، وسياسات تلقي الهدايا خصوصًا على مستوى مجلس الإدارة، إضافة إلى غياب نصوص واضحة تكفل الحياد والاستقلالية.

كما بين التقرير أن النظام المالي والإداري الخاص بالموظفين، الذي يُفترض أنه يتضمن مبادئ مهمة للحوكمة، لا يزال غير معتمد من الحكومة رغم رفعه لمجلس الوزراء منذ سنوات، وهو ما يخلق فراغًا تنظيميًا يؤثر بشكل مباشر على عمل المؤسسة واستقرارها الإداري.

الحاجة الى تعزيز شفافية نشر البيانات للجمهور وفي رفع الوعي بعمل المؤسسة

سلّط التقرير الضوء على أن المؤسسة تُقدم بياناتها المالية للجهات الرسمية، لكنها لا تنشرها للعامة أو للمستفيدين، الأمر الذي يخلق فجوة في مستويات الشفافية. وأوضح التقرير أن الموقع الإلكتروني للمؤسسة لا يزال قيد التطوير، ولا يتضمن بيانات واجبة النشر مثل الموازنات والبيانات المالية وقرارات مجلس الإدارة والتقارير الدورية. وتبرز الحاجة، بحسب التقرير، إلى سياسة نشر واضحة تحدد ما يجب نشره وما يجب حمايته، خاصة في ظل غياب قانون حق الحصول على المعلومات.

الاستثمار في أموال اليتامى لتنميتها

تابع منصة شباب اف ام عبر منصة “يوتيوب”

تناول التقرير أيضًا ملاحظات ديوان الرقابة المالية والإدارية المتعلقة بعمليات الاستثمار وبيع وشراء الأراضي، حيث أشار إلى غياب الإعلان المسبق عن عمليات البيع أو إجراءاتها، ما يضعف من شفافية هذا الجانب الحساس المرتبط بإدارة أموال اليتامى. واعتبر التقرير أن تعزيز الشفافية في هذا المجال ضرورة ملحة لضمان حماية هذه الأموال وإخضاعها للرقابة المجتمعية والرسمية.

أشاد التقرير بتوفر عدة أدوات رقابية داخل المؤسسة، بما في ذلك لجنة الرقابة المنبثقة عن مجلس الإدارة والمدقق الداخلي والخارجي والمراقب الشرعي، إضافة إلى خضوع المؤسسة لرقابة ديوان الرقابة المالية والإدارية. إلا أنه أشار في المقابل إلى غياب استراتيجية واضحة للمساءلة المجتمعية، وفي إدارة المؤسسة المنهجية مع الشكاوى رغم وجود مسودة تعليمات بهذا الخصوص. كما لاحظ وجود فجوة في مجال برامج التوعية بمخاطر الفساد أو في متابعة إقرارات الذمة المالية.

60 مليون دولار حقوق الأيتام

قدّم السيد أمجد المصري، المدير العام لمؤسسة إدارة وتنمية أموال اليتامى، مداخلة موسعة خلال الجلسة، مشيرًا إلى أهمية توضيح طبيعة المؤسسة وتعريف الجمهور بدورها، خاصة في ظل الاعتقاد الشائع بأن المؤسسة تُعنى برعاية الأيتام بشكل مباشر، في حين أن دورها الأساسي يتمثل في إدارة أموال الأيتام وتنميتها فقط، وليس تقديم خدمات الرعاية الاجتماعية.

وأوضح المصري أن القانون يحدد بشكل دقيق الفئات التي تقع تحت ولاية المؤسسة، فالأيتام الذين تُدار أموالهم هم القصّر ممن هم دون الثامنة عشرة، حيث يقوم القاضي الشرعي بتحويل أموال المتوفى إلى المؤسسة إذا كان له ورثة قُصّر. وتبقى هذه الأموال تحت إدارة المؤسسة إلى أن يبلغ اليتيم السن القانونية ويثبت رشده أمام القاضي الشرعي، فيسترد كامل أمواله مع الأرباح المتراكمة والسنوية.

وأشار المصري إلى أن صلاحيات المؤسسة تمتد في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث بلغ عدد الأيتام المسجّلين لدى المؤسسة حوالي 23  ألف يتيم في الضفة وغزة قبل السابع من أكتوبر 2023، لكن بعد جريمة الإبادة الجماعية على غزة، لم تتمكن المؤسسة من تحديث الأرقام أو معرفة حجم الحالات الجديدة نظرًا للظروف الميدانية.

وبخصوص الأموال التي تديرها المؤسسة، أوضح المصري أن حجم حقوق الأيتام يبلغ اليوم نحو 60 مليون دولار، مبيّناً أن هذه الأموال تُستثمر وفق أحكام الشريعة الإسلامية، التزامًا بالقانون الذي يمنع الاستثمار في أي جهة أو مؤسسة لا تتوافق أعمالها مع الشريعة.

وفي سياق تطوير أنظمة الحوكمة، أشار المصري أن المؤسسة تعاقدت مع إحدى الشركات القانونية في فلسطين، وتم إعداد مجموعة واسعة من الأنظمة والتعليمات التي عززت البنية المؤسسية الداخلية. وشملت هذه الجهود تحديث السياسة الائتمانية، وإجراء تعديلات جوهرية على النظام الإداري، وإقرار النظام الداخلي الجديد للمؤسسة ولعمل مجلس الإدارة، ووضع سياسة خاصة بالاستثمار في الصكوك الإسلامية التي وافق عليها مجلس الإدارة، كما طورت المؤسسة نظام مشتريات خاص.

إجراءات صارمة لحماية أموال اليتامى في عمليات شراء وبيع الأراضي

أوضح المصري، أن المؤسسة تتعامل مع استثمارات وبيع وشراء الأراضي وفق إجراءات دقيقة تهدف لحماية أموال اليتيم، مؤكداً أن أي عملية شراء أو بيع للأراضي تخضع لتخمينات مستقلة، إضافة إلى تخمين من سلطة الأراضي، إلى جانب فحص الوضع القانوني في دوائر المساحة والأراضي والآثار، والاستفسار من الجوار حول أي إشكالات محتملة. وأن طلبات الشراء التي تصلها تُدرس من النواحي القانونية والمالية قبل رفعها بتقرير فني إلى لجنة الاستثمار ثم إلى مجلس الإدارة الذي يتخذ القرار النهائي بالبيع أو الامتناع عنه، بناء على الحاجة للسيولة ومدى مواءمة السعر للأرباح المتوقعة. وأكد أن كثيرًا من الطلبات تُرفض لعدم ملاءمة السعر أو لعدم الحاجة للبيع في الفترة الراهنة.

وفيما يتعلق بغياب الإعلان العلني للمبيعات، أوضح أن الإعلان قد يؤدي أحيانًا إلى إضرار بالمؤسسة عبر التنسيق المسبق بين بعض السماسرة للتقليل من قيمة الأراضي المعروضة للبيع، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن المؤسسة هدفها تحقيق أعلى عائد ممكن لصالح الأيتام. ونوّه إلى أن المؤسسة ليست خاضعة لقانون الشراء العام، لأنها لا ترتبط بموازنة السلطة الفلسطينية، لكنها رغم ذلك تُلزم نفسها بالعمل وفق نظام دائرة اللوازم، وتعتمد لجان مشتريات داخلية تحقق أعلى درجات الرقابة والشفافية.

في حين أكد مساعد المدير العام للشؤون القانونية، الأستاذ عطاالله عدوان، أن المؤسسة غير ملزمة قانونيًا باتباع نظام الشراء العام، لكنها تستأنس به وتلزم نفسها بنظام مشتريات داخلي محكوم بمنظومة حوكمة واضحة، موضحاً أن هدف المؤسسة هو منع أي تجاوز في عمليات البيع أو الشراء.

تابع منصة شباب اف ام عبر “إكس”

الوضع المالي والتشغيلي والاستثماري للمؤسسة

أكّد عطوفة المحافظ يحيى الشنار أنه يشارك في اللقاء بصفته رئيساً سابقاً لمجلس إدارة مؤسسة إدارة وتنمية أموال اليتامى، وليس بصفته الحالية كمحافظ لسلطة النقد، احتراماً لدعوة القائمين على اللقاء. بيّن عطوفته على أن جذور المؤسسة تعود للعهد العثماني، وأنها تاريخياً كانت تتبع لديوان قاضي القضاة في الأنظمة الإسلامية، وليست مؤسسة مستقلة بطبيعتها. وأشار إلى وجود خلافات سابقة بين إدارة المؤسسة وقاضي القضاة حول مسألة تبعيتها قبل صدور القرار بقانون الذي منحها الاستقلالية.

وأشار أيضا إلى أبرز الأصول المملوكة للمؤسسة، منها أراضٍ في الخليل ورام الله، موضحاً أن بعضها تضاعفت قيمته بشكل كبير، وأكد أنه حاول تحويل النهج الاستثماري للمؤسسة إلى كيان استثماري إسلامي قادر على توليد دخل تشغيلي لتأمين رواتب الموظفين دون تحميل الأيتام أعباء ذلك، بالاضافة الى رفع نسبة الارباح، وبالتالي تعود الفائدة بشكل كبير للأيتام. إلا أن هذا التوجّه واجه عدّة تحديات، من بينها عدم استجابة بعض المؤسسات العامة، التي تستخدم جزءًا من الأراضي المستثمرة كمدارس مثلًا، لعدد من المقترحات التي كان من شأنها زيادة نسبة الاستفادة الاستثمارية من هذه الأراضي. ويضاف إلى ذلك عدم القدرة على استقطاب الكفاءات برواتب مناسبة، إلى جانب تحديات أخرى.

توصيات لتعزيز الحوكمة وتسريع إقرار الأنظمة

خلص التقرير إلى ضرورة الإسراع في إقرار الأنظمة الداخلية للمؤسسة. كما شدد على أهمية إعداد مدونة سلوك خاصة وتراعي خصوصة هذه المؤسسة وبشكل خاص لمجلس الإدارة، واعتماد قانون الشراء العام بكل متطلباته، وتعزيز سياسات إدارة المخاطر، ووضع سياسة واضحة للنشر والإفصاح. وأكدت الجلسة أهمية نشر الموازنات والبيانات المالية والتقارير السنوية على الموقع الإلكتروني، والإعلان المسبق عن عمليات بيع الأراضي والاستثمارات لضمان أعلى مستويات الشفافية. كما أوصى التقرير بتفعيل نظام الشكاوى والانفتاح بشكل أكبر على مؤسسات المجتمع المدني والجمهور المستفيد من خدمات المؤسسة.

تابع منصة شباب اف ام عبر أنستغرام

كان هناك شبه إجماع من كافة المشاركين في الجلسة على أن مؤسسة إدارة وتنمية أموال اليتامى تعاني من مشكلة جذرية تتمثل في غياب نظام مالي وإداري معتمد، الأمر الذي يجعل الحديث عن استقلاليتها غير مُجدٍ أو غير قابل للتحقق فعليًا .

ع.د