استيقظتُ ذات صباح على شعور كأن أحدهم كان يحاول الكتابة من خلالي. وجدتُ أمامي أورقاً بيضاء، فكتبت. كانت التجربة أشبه بالمحاكمة في رأسي؛ أحاول الهروب من قاضٍ لا وجود له، لكنه يُصرّ على أن أقول المزيد. منذ تلك اللحظة، تغيّر شيء فيّ، أو ربما أنا لم أعد موجوداً كما كنت. لو لم تكن هذه المدينة محتلة، مشوهة بحدودها، ممزقة بأحلام ناسها، ربما ما كنتُ كتبت شيئاً، ربما كنت لأبقى إنساناً عادياً، لا يفكر كثيراً، ولا يكتب شيئاً.
في هذا المقال، أجد نفسي غارقًا في أفكار جورج أورويل، مُتأثراً بعمق بما تركه من بصمات راسخة في عالم الكتابة. فقد استخدم الرمزية بذكاء لافت في أعماله الأيقونية مثل روايتي “مزرعة الحيوان” و “1984”. ففي الأولى، مثّلت الحيوانات أنظمة سياسية قائمة، مما سمح له بالنقد غير المباشر للديكتاتوريات وبالتالي حماية نفسه من القمع. وفي “1984”، اتبع “نهجاً مُغايراً” (New Speak) ليوضح كيف يمكن للغة أن تكون أداة للرقابة والتحكم في الفكر، مما يبرهن على قدرة الرمزية في حماية الكاتب وإيصال رسالته بفعالية.
كحال الكثير من الكتّاب المُحاصَرين بجدران عازلة وحواجز فاصلة ومدن مُحتلة، حيث الكلمة نفسها قد تتحوّل إلى تهمة، تصبح الرمزية بالنسبة للكاتب المنفذ الوحيد. فالمرء هنا لا يكتب كما يشاء الآخرون، بل كما يفرض الواقع القاسي عليه. الكلمة تصبح ثقيلة، وقد تغدو عبئاً لا يُحتمل، ولكن التشبيه والاستعارة الرمزية تفتح له نافذة صغيرة يستطيع من خلالها التنفس، ويستطيع أن يكون، وأن يقول. في أعمالي الروائية مثل: “أرض الألوان” و”أوكالبتوس” و”بساتين إلينورا سيلفيا” و”شتاينبرغ” الصادرة حديثاً، كانت الرمزية وسيلتي الأجدى للحديث عن ما لا يمكن البوح به بشكل مباشر، وللتعبير عن أفكار ومشاعر تعجز الكلمات وحدها عن وصفها في هذا الواقع المظلم.
لا أريد القول إن الأحوال لم تعد كما كانت عليه سابقاً؛ لأن أحوال المدن المُحتلة لم تكن بخير يوماً. ها هي شاعرة مدينتنا تقول كلاماً في حب المدن المحتلة. ويقص لنا القاص قصصاً ونحن في طريقنا نحوها. ويروي علينا الراوي حكاياتٍ لم يسمعها من يعيشون خارج أسوارها. ثم يأتي ناقد مدينتنا، الذي قرأ ما يزيد عن عمر احتلال المدينة سنين، ليقول لنا: فلتكتبوا عنا وعن مدينتنا المحتلة.
وهنا، عندما لا نطرح الأسئلة…
فإن الأفكار تبتلع رؤوس أصحابها، ثم تُدخِلهم في رتابة التصنيف. وحين تُحتل العقول، ويتجوّل بداخلها دخلاء على شاكلة أفكار لا تمتُّ إلى وجودية هذا الإنسان بصلة، تصبح فرص تحرّرنا، نسبياً، غامضةً. عندما لا نطرح الأسئلة، قد نكون في حالتنا هذه على ما يرام، ربما لن يزعجنا شيء، ما دمنا قد توقفنا عن الطرح. هناك علمٌ كبيرٌ من ميكانيكا الفكرة المبتذلة، لا يسعني قياسه الآن، وسأترك ذلك للباحثين في ديناميكيات الرأي.
لكنه يطلُّ أداةً يستخدمها أولئك الذين لا يطرحون الأسئلة، والذين، بدورهم، يعتقدون أنهم غير مُلزَمين بتفسير أي شيء. بل يرون أنه من الأفضل ترك الأمور على حالها، كي تبقى رؤوسهم على ما يرام.
سيصبح من السيء جداً الولوج إلى رؤوسنا حين تكون منشغلة بأمورٍ لا بد من المرور بها؛ فقط كي نعيش، كي نبقى نتنفس من أجل غاية مبهمة، ولنستمر حتى يأذن لنا الوقت بالرحيل. في حالتنا هذه، نكون قد أوصدنا سبل الخروج من واقعنا المظلم، ما دمنا نفعل ما يفعله الآخرون.
إذن، هل يمكن للكتاب أن يحرر كاتبه من أسر المدن المحتلة؟
لا أُغالي فيما لو قلت، أنه من الممكن أن يحرر الكاتب نفسه من خلال الكلمة، ومن الممكن أيضاً أن يحرر الكتابُ كاتبه. وفي ظل المدن المحتلة، يكثر طرح النظريات، وتتعدّد الإجابات، ولا وجود لمقياسٍ أحادي للحقيقة.
في هذا الوقت من العام، يستحضر ذهني حديثاً جمعني ببعض الزملاء الأعزاء قبل بضع سنوات حول معارض الكتب. حينها، شعرتُ بالحزن على نفسي، وكانت اللاطمأنينة تتنفسني بثقل. رغبتُ يومها في المشاركة في معارض الكتب، وأن أتجول بين المدن غير المحتلة، سعياً لدعم النظرية التي تقول إن الكتاب قد يحرر كاتبه.
كانت كلمة الزميلة الكاتبة المصرية رشا عدلي لي دعوةً للتأمل في وجودي ككاتب يستطيع، من خلال قلمه، أن يتحرر. كما تأثرت بكلمات زميلي الروائي اللبناني محمد طرزي حين راسلني وقال: “إن الكتاب هو جسرك إلى العالم”. تذكرت حينها كلمات غابرييل غارسيا ماركيز، عندما رفضت السلطات الأمريكية منحه تأشيرة دخول للمشاركة في ندوة أدبية لمناقشة روايته “مائة عام من العزلة”، فقال: “هؤلاء الأغبياء لا يعرفون أن تأثير الكاتب ليس بجسده، بل بأفكاره، وأفكاري دخلت بلادهم دون تأشيرة دخول”.
لا أزال أعيش في مدينة محتلة، لكنهم يستطيعوا احتلال كتبي. فهي تجوب المعارض في أراضٍ غير محتلة، ولهذا سأكون حراً، لطالما كتبي حرّة. منذ ذلك الوقت، توقفت عن الشعور بأهمية توقيع رواية، أو عن السؤال حول إمكانية حضور ندوة أدبية محلياً أو أقليمياً. لم أعد بحاجة إلى نشوة التواجد الفيزيائي-الجسدي لكل المعارض التي مرت بها أعمالي الروائية؛ أشعر أنني كنت جسدياً في ضيافة دولٍ شقيقة عديدة، أتجول بين الكتب مع زملاء أعزاء لم ألتقِ بهم يوماً، وألقي التحية وجهاً لوجه، على الدار التي احتضنت أفكاري وآمنت بما أكتبه، ولو لمرة واحدة.
أنا أكتب كي لا أختفي تماماً من رأسي.
وهذا كل ما في الأمر!
- صحيفة القدس
- ي.ك

