مع اكثر من ثلث مساحة دولة كبرى مثل باكستان تحت المياه، ومع درجات حرارة فوق الأربعين درجة في دول ومناطق أوروبية وفي دول أخرى في العالم لم تتوقعها في أسوأ السيناريوهات، ومع موجات جفاف قاسية تضرب أوروبا والشرق الأوسط حيث اصبح التصحر هو السمة البارزة فيهما وبالتالي تهديد الأمن الغذائي وخطر المجاعة اصبح أمرا واقعا، ومع شح مصادر المياه وبالأخص مصادر المياه الجوفية بسبب قلة الأمطار والاستنزاف المتزايد للمياه وازدياد ملوحة المياه. ومع تسارع ذوبان الجليد وبالتالي ارتفاع مستوى مياه البحار والمحيطات وبالتالي الخطر الشديد لفيضانات مفاجئة مدمرة كما حدث خلال الأسابيع أو الأيام القليلة الماضية، وبالتالي احتمال اختفاء مدن وربما دول خلال فترات اسرع مما كان متوقعا، ومع احتمال انتشار حشرات وأوبئة وأمراض جديدة تهدد البشرية والإنتاج الغذائي، ومع الاستنزاف المتزايد لمصادر الطاقة غير المتجددة، مع كل هذه التغيرات البيئية المناخية والتي نحن في فلسطين اصبحنا نتعايش معها، اصبح عالم التغيرات المناخية العميقة يتجسد وبقوة.
وتعصف هذه التغيرات المناخية العنيفة بنا، في ظل تواصل بث الغازات الملوثة للبيئة والمسببة للاحتباس الحراري وبالتالي إحداث التغيرات المناخية، رغم تعهد معظم دول العالم وبالأخص الدول الكبرى للحد منها، وفي ظل التحضير لقمة المناخ العالمية الدورية السنوية، والتي سوف تنعقد هذا العام في مدينة شرم الشيخ المصرية، والتي في العادة يشارك فيها ممثلو حوالي 200 دولة، ومن بينهم عدد كبير من الرؤساء ورؤساء الحكومات والوزراء والخبراء والباحثين والمختصين، سواء أكانوا يتبعون مراكز أبحاث مستقلة أو هيئات أكاديمية، أو حكومات أو هيئات دولية ومنها ما يتبع منظمة الأمم المتحدة، بتخصصاتها وبرامجها المختلفة.
وبصرف النظر عن القرارات التي تم اتخاذها فيما يتعلق بمحاربة التلوث التي تساهم به بشكل كبير هذه الدول، بالإضافة إلى دول صناعية أخرى مثل الصين والهند والبرازيل وغيرها، وبصرف النظر عن الآلية التي تم وضعها للتطبيق العملي لهذه القرارات والتي تهدف في الأساس إلى تقليل كمية الغازات الملوثة التي يتم بثها إلى الجو، والى التوجه أكثر نحو مصادر الطاقة النظيفة أو الخضراء، إلا أن الآثار والتداعيات البيئية والصحية التي أحدثتها وما زالت تحدثها هذه الدول بفعل الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية قد شملت معظم دول العالم، وبالأخص الدول الفقيرة التي لا تساهم بشكل ما في إحداث التغيرات المناخية ولكن تتحمل العواقب والآثار بشكل أكثر إيلاما أو دون إنصاف، أو بالأحرى عدم وجود أو غياب عدالة مناخية أو بيئية في العالم.
وهذا يعني بالتحديد الصورة القاتمة والظالمة التي باتت تحياها دول فقيرة أو ضعيفة ولا تملك المصادر أو الإمكانيات للتعامل مع تداعيات بيئية ومناخية وربما صحية ونحن منها، بسبب النشاطات التي تقوم بها دول أخرى، حيث بتنا هذه الأيام نلمس هذه التداعيات مثل قلة الأمطار وارتفاع حرارة الأرض، وذوبان الجليد وبالتالي ارتفاع منسوب المياه والفيضانات، والتصحر أي فقدان قدرة التربة على الزراعة، وانتشار بعض الأمراض بسبب ظهور آفات جديدة وما إلى ذلك، وما ينتج عن ذلك من التداعيات الإنسانية والسياسية والاجتماعية، والتي تأتي إفرازا أو نتاجا لغياب العدالة المناخية.
وتحقيق هذه العدالة يعني الحد من الغازات التي تلوث الجو والبيئة، وهذا يعني الحد من النشاطات الاقتصادية، أو إلى التوجه نحو الاستثمار اكثر في نشاطات اقتصادية صديقة للبيئة، أو نشاطات صناعية نظيفة وخضراء، ما يؤثر على عالم الاقتصاد والمال والاستثمار والعمل والتشغيل، وهذا يعني بالضبط السياسة وتداخل المال مع السياسة، أو تداخل وتأثير رجال المال والاقتصاد على السياسيين، وهذا يظهر مدى صعوبة نقاش موضوع التغيرات المناخية في قمم العالم وبالأخص قمم الدول الصناعية الغنية.
ورغم انعقاد قمم المناخ العالمية بشكل دوري وعلى أعلى المستويات ومع زخم إعلامي وسياسي واقتصادي هائل، ورغم الأبحاث والوثائق والمعطيات الحديثة، إلا أن هذه القمم فشلت حتى الآن في ترجمة قراراتها أو تعهداتها المحددة بالأرقام إلى واقع، بالحد من بث الغازات إلى طبقات الجو، وبالأخص التقليل من استخدام مصادر الطاقة غير النظيفة من بترول وفحم وغاز، وما زال العالم يشهد إقبالا اكثر على هذه المصادر، وما زالت دول مثل الصين والهند والولايات المتحدة والبرازيل وجنوب إفريقيا وغيرها، تستهلك طاقة اكثر وبالتالي تبث المزيد من غازات التلوث إلى الجو، متناسية التعهدات السنوية المتتالية التي قطعتها على نفسها بالحد من كمية هذه الغازات.
وفي ظل تعمق آثار التغيرات المناخية وبشكل سريع وعنيف وخطير، فنحن في فلسطين، ورغم أننا لسنا بالبلد الصناعي أو الزراعي ذي التأثير الملموس على البيئة والمناخ في العالم، إلا أننا بدأنا نتأثر بما يقوم به الآخرون في العالم، وسوف يستمر هذا التأثر ويزداد ويشمل جوانب أساسية من حياتنا مثل المياه والتربة والغذاء والصحة والطاقة، وبسبب البقعة الجغرافية الضيقة عندنا، والمصادر الطبيعية المحدودة، والزيادة المرتفعة نسبيا في إعداد السكان، فقد يكون هذا التأثير علينا كبيرا وملموسا، حيث بدأنا نلمس آثاره في مجالات المياه والإنتاج الغذائي والجفاف وتداعي المحاصيل والتصحر وتراكم النفايات وفي المجالات الصحية والاجتماعية والاقتصادية المتعددة.
- صحيفة الأيام
- ي.ك

