سائدة حسني الأسمر في الذاكرة الجماعية

سائدة حسني الأسمر في الذاكرة الجماعية
فيحاء عبد الهادي
31 أغسطس 2022

عرفتها كما عرفها العديد من الزملاء والأصدقاء باسم «سائدة حسني الأسمر»، وعرفها البعض باسم «لينا»، والبعض بـ»الرفيقة س»، ولم يعرفها باسمها الحقيقي سوى قلة.

هي «حكمت صالح نصار» (سائدة الأسمر)، المناضلة السياسية والنقابية والإعلامية والعسكرية، التي اختارت اسمها، واختارت طريقها.

عرفت أن طريق الحرية صعب وشائك وطويل، وآمنت بأهمية العمل السياسي بأشكاله كافة. انحازت للفكر القومي منذ مطلع شبابها، والتحقت بحركة القوميين العرب منذ الخمسينيات، وفي نهاية الستينيات التحقت بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وعملت ضمن العمل السرّي الخارجي العسكري، وكرَّست حياتها لعملها النضالي حتى رحيلها يوم 26 تموز 2022.

عرفتها يافا طفلة، ثم عرفتها الأردن والعراق والكويت وسورية ولبنان، وعرفها ثوار العالم الحرّ.

*****

تأثرت سائدة الطفلة بوالدها الفلسطيني التربوي والمناضل السياسي والنقابي، ووالدتها اللبنانية التربوية وذات الأفق الواسع، ما جعلها تربط بين السياسة والثقافة والإعلام منذ نعومة أظفارها. عشقت الأدب، ولذا درست الأدب الإنجليزي في جامعة بغداد، وأدركت أهمية العمل الصحافي المهني المتخصّص منذ منتصف الخمسينيات، فشاركت في الصحافة المحلية والفلسطينية:
«أنا نشطت بالصحافة أكتر، لإنه صار فيه صحافة وطنية، ضلّت بدمّي، بديت مع واحدة من الصحف، قلت لهم: على شرط بِدّي أكتب اللّي بدّي إياه، ومن نوع كتابتي شافوا إنّه ممكن أكتب هالأشياء وأستمرّ. عملناها (مجلة فلسطين)، كنت أشتغل وآخد فلوس حتى قدرنا نبدأ بالمجلة».

والتحقت بالإذاعة العراقية في بغداد – قسم اللغة الإنجليزية، وعبَّرت عن هدفها السياسي، حين تطوَّعت للعمل في الإذاعة، من خلال شهادتها على المرحلة:
«فيه فكرة النوادي كتير بالعراق، كل مهنة عندها نقابتها، وعندها ناديها، فكنا كطلاب نحاول نلتقي، لإنه ما كان لسّه مُجاز اتحاد ولا شي، الاتحاد الوحيد اللّي كان مُجاز اتحاد طلاب مصر، فكنا نعتبر حالنا اتحاد طلاب. المسؤول عن هادا البرنامج كان واحد من الإخوة السوريين، لاجئ سياسي بالعراق، رحنا تطوّع، ورحنا نساعد، صرنا نحاول نسمع إذاعة العدوّ ونجاوب عليهم، وبِدنا نقيم الدنيا بهالبرنامج: «في رحاب الفكر». عملي الإذاعي خدم القضية الفلسطينية، لإنه كنت أدخّل فيه الأشياء اللّي أواجهها، متل القصص عن فلسطين، وأدب، قصة قصيرة، تمثيلية صغيرة، شغلات بالتلفزيون».

*****

بدأت «سائدة الأسمر» بالتوعية السياسية غير المباشرة، في العراق، قبل التحاقها «بحركة القوميين العرب»، وقبل أن تعمل من خلال «الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية»:
«بلّش أوّل شي جمع التبرعات، وتوعية الناس، أنا بِدّي أعرف حالة الفلسطينيين هناك كيف عايشين! صرت أحاول أروح على ما يسمّى الملاجئ هناك، الناس بما إنه كانوا يسمعوني ويقروا لي صاروا قسم منهم يلجؤوا لي بمشاكلهم، هادا خلاّني أحتكّ أكتر فيهم، بديت التقي فيهم: إحكوا لي، أنا بَعرفش كيف حالة فلسطين قبل، القصص اللّي كانت تصير، كيف قاتلوا هناك، صاروا يحكوا لي، وأنا أستفيد منها بكتاباتي، صار فيه تقارب بيني وبينهم، صرت أنا واياهم تقريباً وحدِة حال. هادا ساعدني لما بعدين عملنا الاتحاد إني أجيب هالستات، يقدروا يكون لهم دور بالاتحاد. هاي الطريقة اللي بديت فيها».

*****

قامت المناضلة بتأسيس اتحاد المرأة الفلسطينية بالعراق، قبل تأسيس الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية في القدس عام 1965.

تشكَل اتحاد المرأة الفلسطينية، في العراق، عام 1963، بعد انعقاد اللقاء التحضيري، الذي دعت إليه الرائدة «وديعة قدورة خرطبيل»، في بيروت، لتوحيد العمل النسائي الفلسطيني، وتمّ إقرار تكوين اتحادات للنساء، حيثما أمكن ذلك.

تحدَّثت «سائدة الأسمر»، عن استمرار عملها النسائي، الذي بدأ في العراق، ثم تشكيل فرع لاتحاد المرأة الفلسطينية، بعد تأسيس الاتحاد العام، مبيِّنة الفارق بين المؤتمر التوحيدي، الذي دعت إليه «وديعة خرطبيل»، وبين المؤتمر التأسيسي للاتحاد العام للمرأة الفلسطينية:
«أول شي، ثبَّت (المؤتمر التأسيسي للاتحاد العام – مؤتمر القدس) الأشياء اللي كنا طارحينها، لأن المؤتمر التوحيدي ما كان مؤتمر، كان اجتماع تحضيري للأشياء اللي صارت بعدين. كنا صرنا عاملين اتحاد بالعراق. وطبعاً إحنا أهَّلنا إنه في كيان إلنا بِدُّه يصير. كنا منظمين وفيه محاضر. لما سلَّمت الاتحاد (بعد أن تركت العراق)، سلَّمته مع ملفات ومحضر، محضر استلام وتسليم وكلّه».

شاركت في المؤتمر التأسيسي للاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، ممثِّلة عن النساء الفلسطينيات في العراق، حيث جرى انتخاب لمرشَّحات العراق للمؤتمر. ومن الملفت إصرار المرشَّحات، على إجراء انتخابات ديمقراطية، لضمان مصداقية تمثيلهم للنساء:
«صارت المنظمة، ورجعنا نقدم طلب رسمي لَيصير عنا اتحاد. أعلنت عن الاجتماع لإنُّه بِدُّه يروح وفد لهيدا المؤتمر، طلعت بالتزكية. فِشّ غيري، رحت أنا على القدس لإن البقية بيِقدَروش يروحوا».

*****

حين التحقت المناضلة بالعمل الفدائي بعد العام 1967، تركت العراق، واستقالت من عملها المهني، وذهبت إلى الأردن، ومنها انطلقت إلى الساحات الأخرى العربية والدولية، لتعمل ضمن العمل السرّي الخارجي مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين:
«لما رحت على الأردن، بعد فترة صارت تنقطع علاقتي بكل العمل اللي كنت أعمله، كان لازم أصير أعمل عمل مختلف، ما حدا يعرف .. وهيك كان، وانقطعت عن الاتحاد نهائياً، بَطّلت أروح، بس ضلّيت أعتبر كمؤسسة للاتحاد».

*****
عاشت المناضلة طيلة حياتها مخلصة لمبادئها، وارتبطت لديها النظرية الثورية بالممارسة الثورية. أدركت طبيعة الصراع مع العدو الإسرائيلي الكولونيالي الاستيطاني التوسعي، التي تستلزم العمل السرّي، فآثرت أن تبقى في الظل لتكون القضية الفلسطينية في الضوء.

حكمت صالح نصار،
سائدة حسني الأسمر، أو فاطمة، أو شادية، أو دلال، أو ليلى، أو لينا،
سوف تبقين حية في قلوبنا،
وسوف تبقى مسيرتك الكفاحية محفورة في الذاكرة الحية لشعبك الفلسطيني، وطلاب الحرية عبر العالم.

 

  • صحيفة الأيام
  • ي.ك