تتجه أنظار العالم إلى مدينة شرم الشيخ المصرية، حيث تُعقد قمة دولية بمشاركة نحو 25 قائداً وزعيماً عالمياً، لتوقيع الاتفاق على خطة لوقف الحرب ووضع آلية لإدارة ما بعد الحرب في القطاع.
هذه القمة تُطرح كفرصة لإنهاء الحرب المستمرة منذ عامين، لكنها تُثير في الوقت ذاته سؤالاً جوهرياً حول حق العالم في رسم مصير غزة بمعزل عن إرادة الفلسطينيين.
وفق بيانات رسمية وتقارير من وكالات الأنباء الدولية، سيحضر الرئيس الفلسطيني محمود عباس قمة شرم الشيخ للسلام، كذلك قادة كل من الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، تركيا، إيطاليا، إسبانيا، إلى جانب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، و بعض رؤساء دول عربية وممثلين عن البنك الدولي والأمم المتحدة. لكن اللافت أن إسرائيل وحركة حماس الطرفين الرئيسيين لن يحضرا الجلسات العلنية.
إسرائيل اكتفت بإرسال وفد فني يشارك في المشاورات الجانبية، بينما أعلنت حماس أنها ليست طرفاً في مراسم التوقيع، معتبرة أن “القرارات تُتخذ بعيداً عن الميدان”.
هذا الغياب من الطرفين يعمّق التساؤلات حول شرعية أي اتفاق يتمخض عن القمة، ويجعل منها مجرد قمة لإدارة الأزمة أكثر من كونها قمة لحلها.
التسريبات التي تم نشرها في وكالات صحفية عالمية تشير إلى أنه سيتم إعلان وقفاً شاملاً لإطلاق النار خلال أيام، يتضمن إنسحاباً جزئياً للقوات الإسرائيلية من شمال القطاع و فتح المعابر الخمسة تحت رقابة مصرية دولية مشتركة ثم إطلاق برنامج عاجل لإعادة الإعمار بإشراف البنك الدولي والأمم المتحدة بالإضافة إلى تشكيل آلية مراقبة دولية لضمان الإلتزام بالإتفاق.
لكن هذه الخطوات، تُترجم عملياً إلى وصاية دولية على غزة، حيث تُدار ملفات الأمن والإعمار والمعابر من قبل لجان دولية، فيما يظل الدور الفلسطيني محدوداً في التنفيذ لا في القرار.
البيانات الرسمية للقمة تتحدث عن “إغاثة عاجلة ووقف المأساة الإنسانية”، و هذه الشعارات ليست سوى محاولة لتفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها السياسي.
ففي الوقت الذي يُقدم فيه الصراع على أنه أزمة إنسانية تتطلب مساعدات و اقتراح خطط إنعاش اقتصادي تحت رقابة المانحين، فإنه يُهمش جذورها الحقيقية، وهي الإحتلال والإستيطان واللاجئين وحق تقرير المصير. أن تحويل القضية الفلسطينية إلى ملف إغاثي يعني إلغاء البعد الوطني والسيادي للقضية وإختصارها في صندوق مساعدات.
أن هذه القمة تُجسد تحولاً في فلسفة التعامل الدولي مع الصراع، من منطق الحل السياسي الشامل إلى منطق إدارة الأزمات. فبينما تتحدث العواصم الغربية عن وقف المعاناة، تتجاهل أن جذور المعاناة ذاتها هي الاحتلال المستمر وحرمان الفلسطينيين من السيادة والقرار. ليبدو الاتفاق و كأنه هدنة هشة قابلة للإنهيار مع أول خرق.
أما في الشارع العربي و الفلسطيني، تتزايد الانتقادات للقمة بوصفها ذروة لمسار التطبيع العربي الإسرائيلية و طمس البعد العربي للصراع الفلسطيني الاسرائيلي ويعكس إرادة عربية و دولية في إعادة صياغة المشهد الفلسطيني و فرضه على الفلسطينيين. فهذه القمة ربما ستوقف الحرب و لكن لن توقف سياسات إسرائيل وانتهاكاتها ضد الفلسطينيين سواء في غزة او الضفة الغربية.
قد تُعلن شرم الشيخ نهاية حرب الإبادة، لكن الحرب السياسية على هوية غزة ومستقبلها ما تزال مفتوحة.
ووسط قاعات الفنادق الفخمة وخطب الزعماء، تبقى غزة بكل ما فيها من رماد ودمار رمزاً للثبات في وجه عالم أصغر منها.
فما أصغر هذا العالم المزيف، وما أكبرك يا غزة.
- صحيفة القدس
- ي.ك

