صمت البنادق.. وضجيج المقابر

مصائد الموت: الاحتلال يغلق مراكز توزيع المساعدات التابعة لمؤسسة “غزة الإنسانية”
لما عواد
12 أكتوبر 2025
صمتت البنادق… أخيرًا، هدأت السماء، وسكتت الطائرات، وتوقفت نشرات الأخبار عن العدّ..

يُقال إن الحرب انتهت حين توقفت الطائرات، وصمتت البنادق، وعاد الهدوء إلى غزة،  لكن ما الذي يعنيه الصمت في مدينةٍ لم تعرف سوى الضجيج؟ إنه ليس سلامًا، بل فراغٌ ثقيل يعلّق الأنفاس بين ما كان وما لن يكون.

حين تسكت الحرب، يبدأ ما هو أعمق منها:  تبدأ الحرب الثانية حرب النجاة، الذاكرة، وإعادة تعريف ما تبقّى من الحياة.  في الصباحات الأولى بعد الهدنة، لا تُسمع أصوات الانفجارات، بل صوت المجارف في المقابر، وصدى الأسماء على جدران البيوت المنهارة و كأن الأرض تواصل سرد ما لم تقله السماء.

غزة لا تحتفل بوقف إطلاق النار، لأن أحدًا لم يخرج من الحرب سليمًا بما يكفي للاحتفال.  الذين نجوا فقدوا أشياء لا تُرمم، والذين رحلوا تركوا وراءهم صمتًا يملأ الحيّ أكثر من حضورهم.

في غزة، حين تصمت البنادق، تبدأ المقابر بالكلام،  يمتلئ الهواء بالأسماء، بالأحاديث غير المكتملة، بالخطوات التي لم تصل. في الشوارع، أطفال يبحثون عن مدارس لم تعد موجودة، وأمهات يتعلمْنَ طريقة جديدة للعدّ، ليس عدد الأبناء، بل عدد الصور الباقية. يقول العالم إن “الهدوء عاد إلى القطاع”، الهدوء الهشّ، الهدوء الذي يلفّ غزة اليوم ليس إلا وجهاً آخر للضجيج.  ضجيج الأرواح التي غادرت، وضجيج القلوب التي بقيت معلّقة بين السماء، كل نافذة تُفتح تذكّر بما كان يمكن أن يُرى ولم يُرَ.  فالحرب لا تنتهي بالاتفاقيات، بل حين يستطيع الإنسان أن ينام دون خوفٍ من الغد، وحين تستعيد المدينة معنى الضوء من دون أن ترتجف.

في هذه المدينة، الموت لا يصنع النهاية، بل يفتح فصلًا جديدًا من الحكاية، وحين يصمت العالم احترامًا “لوقف إطلاق النار”، تظلّ المقابر تتحدث، وتظلّ البنادق صامتة… لكن القلوب، لم ولن تصمت.

صمت البنادق لا يعني شيئًا حين يواصل الصدى عمله،  فالانفجارات لا تغادر الأذن بسهولة، والوجوه المفقودة تظلّ تلوّح من نوافذ الذاكرة.

هناك أصوات أخرى لا تهدأ.. صوت الحنين، وصوت العدّ، وصوت الغياب وهو يكبر.

يقول العالم: “انتهت العمليات العسكرية”. لكن الحرب لم تنتهِ، بل انتقلت إلى القلوب، هناك، في الداخل، يشتعل كل ما لم يُقل، في كل بيتٍ، حكاية معلّقة على حبل الانتظار، وفي كل نفسٍ، سؤالٌ بلا جواب: كيف يعيش الناس بعد أن خسروا شكل الحياة؟ صمت البنادق… لكنه صمت ثقيل، يضجّ بما لا يُقال.

ضجيج المقابر أعلى من أي صوتٍ آخر، والأحياء يمشون بينهم كأنهم يعتذرون لأنهم ما زالوا هنا.

 

  • صحيفة القدس
  • ي.ك