في جذور هذه المأساة يقبع تاريخ طويل من الكيل بمكيالين، منذ بلفور مرورا بالنكبة وما بعدها، وضع الفلسطيني دوما في خانة الاستثناء، خضع لميزان قاسٍ لا يعرف الحق او المساواة، جرى تصويره كعبء سياسي، وأحيانا كتهديد أمنى، بينما جرى تبييض صفحات قاتليه، وحتى حين أقرت منظمة التحرير بالاحتلال، ووهبته قرابة ثمانين بالمئة من فلسطين، لم يكافأ الشعب على براغماتية قيادته، بل عوقب بالمزيد من الاستيطان والجدران، ثم القتل والعقوبات الجماعية.
اليوم، مع تصاعد العدوان على غزة ثم الضفة، باتت الصورة اوضح من ذي قبل، جيش يقتل النساء والاطفال بدم بارد، ويحول المدن الى ركام، ويزرع الموت في كل حي وبيت، جريمة لا تكتمل الا بصمت العالم، فتغض العواصم الطرف، وتكتفي ببيانات هزيلة، او مواقف مترددة، واخرى تدعم آلة القتل مباشرة، او تغطيها سياسيا، وأخرى تنطق بلغة القلق وضرورة “التهدئة”، وكأنها مواجهة بين جيشين، لا كف ومخرز، هذا الانحياز البنيوي حول الفلسطيني الى ضحية مرتين؛ ضحية القتل، وضحية الصمت والخذلان.
أبعاده الانسانية كارثية، فكل القوانين والاتفاقيات التي وُضعت لحماية المدنيين في زمن الحروب تنهار عند بوابة فلسطين، من مواثيق جنيف، الى شرعة حقوق الانسان، حتى لغة “العدالة الدولية” نفسها، بدت حبرا على ورق حين تعلق الأمر بفلسطين، حيث اختبرت مصداقية العالم، وفشل في الامتحان، ولعل ما يجعل العقاب اكثر ايلاما، انه لا يقتصر على الة القتل، بل يمتد الى قطرة الماء ولقمة العيش، وحتى حركته وحقه في التعبير، بل واكثر، نفي روايته وشيطنته.
ان استمرار هذا النمط، يهدد بتكريس معادلة أخطر؛ شعب محاصر بين آلة قتل لا تشبع، وعالم يتعايش مع القتل كأنه واقع، فهل يمكن لهذه المعادلة أن تدوم؟ التاريخ يعلمنا ان الظلم مهما طال لا يصمد أمام إرادة الشعوب، وان الفلسطيني الذي يواصل التمسك بحقه، ويروي روايته بالدم، ويفضح صمت العالم، لن يبقى هو الضحية.
وبالتالي، فلا بد من كسر هذه الحلقة المفرغة، وإعادة تعريف العلاقة مع الشرعية الدولية والقانون الدولي، بحيث يطبق فعلا لا قولا، وعلى القوى العالمية ان تدرك ان صمتها مدان، فهو ليس حيادا، بل مشاركة بالمذبحة، فالفلسطينيون لا يطالبون بمعجزات، بل بأبسط ما وعدت به الانسانية؛ حق الحياة والحرية والعدالة، وحتى يتحقق ذلك، سيصمدون، لأنهم يدركون ان ساعة العدالة قد تتأخر، لكنها آتية لا محالة.

