“إسرائيل” والهزيمة المؤقتة: معركة الرمزية قبل الميدان

جيش الاحتلال يقتحم عرب المليحات ويطارد مركبات المعلمين
د. إبراهيم نعيرات
13 أغسطس 2025
منذ إعلان قيامها عام 1948، حرصت إسرائيل على بناء سرديتها العسكرية حول فكرة التفوق المطلق، وصنعت من جيشها صورة أسطورية كقوة لا تُقهر، ليس فقط داخليًا لإقناع مواطنيها بالأمان، بل كأداة ردع إقليمية لكل من يواجهها. وفي مواجهة الفلسطينيين، تبدو هذه الحساسية تجاه أي لحظة هزيمة، حتى لو كانت قصيرة، أكثر وضوحًا، إذ تعتبر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أن أي نجاح فلسطيني ولو مؤقت، يشكل تهديدًا ليس فقط ميدانيًا، بل رمزيًا ونفسيًا على حد سواء.

فالهزيمة الرمزية في وعي الجيش الإسرائيلي غالبًا ما تكون أخطر من الهزيمة الميدانية، فهي تهدد الهيبة التي سعت الدولة إلى ترسيخها طوال عقود. أي عملية نوعية فلسطينية، مهما كانت محدودة، يمكن أن تتحول في الإعلام والشارع العربي والفلسطيني إلى نصر رمزي يضعف صورة الجيش، ويهدد الردع الذي تبني عليه إسرائيل استراتيجيتها في المنطقة. لذلك، تأتي سياسة الرد الفوري والمكثف، التي لا تهدف فقط إلى تحييد التهديد الميداني، بل إلى محو أي أثر للنصر المؤقت من الوعي العام.

وقد تجلت هذه السياسة في العديد من جولات التصعيد الأخيرة. ففي حرب غزة عام 2021، شكلت مشاهد إطلاق الصواريخ على تل أبيب اختراقًا لهيبة الردع الإسرائيلي، فكان الرد العسكري واسع النطاق مصحوبًا بحملة إعلامية شددت على أن الجيش استعاد السيطرة وأن القصف كان ردًا على الإرهاب. أما في معركة مخيم جنين 2023، فقد حاولت المقاومة فرض اشتباك طويل الأمد داخل المخيم، لكنها واجهت تحركًا سريعًا من القوات الخاصة والدبابات الإسرائيلية لإنهاء المعركة، رغم التكاليف البشرية والميدانية، بهدف منع أي مشهد يظهر الفلسطينيين في موقع القوة. وكان 7 أكتوبر 2023 علامة فارقة، حين سيطرت المقاومة لساعات على مناطق داخل الحدود، ما كشف عن هشاشة استراتيجيات إسرائيل وأجبر الحكومة على إعلان حرب شاملة، ليس فقط لاستعادة الأراضي، بل لإعادة تثبيت صورة الجيش الذي لا يُهزم.

وليس للأمر بعد ميداني فقط، بل نفسي وسياسي أيضًا. إذ تدرك إسرائيل أن أي هزيمة رمزية تهدد الردع الإقليمي وتشجع قوى أخرى على اختبار قدراتها، كما تؤثر على المعنويات الداخلية لمجتمع حساس أمنياً، وتمنح الفلسطينيين دفعة سياسية ومعنوية في المحافل الدولية. وفي هذا السياق، تبدو المفاوضات الحالية بلا جدوى ما لم تحقق إسرائيل هذا الهدف أولاً، أي تثبيت نفسها منتصرة على الأرض وفي الوعي العام، لأن أي نقاش أو اتفاق لن يكون قابلاً للحياة إذا بدا أن الفلسطينيين قد فرضوا إرادتهم ولو مؤقتًا.

وبناءً عليه، يمكن القول إن إسرائيل تقاتل الهزيمة الرمزية قبل الميدانية، مدركة أن الحروب الحديثة ليست مجرد معارك دبابات وصواريخ، بل معارك صور وعناوين وعواطف جماهيرية، وأن أي مشهد يظهر الفلسطينيين في موقع المبادرة يواجه برد عسكري وإعلامي عنيف للحفاظ على أسطورة التفوق حيّة في الأذهان، وهو الشرط الذي ترى إسرائيل أنه أساسي قبل أي نجاح للمفاوضات أو استعادة السيطرة السياسية.

 

  • صحيفة القدس
  • ي.ك