وكأنّ غزّة ليست محتلّة، وكأنّ أرضها وبحرها وسماءها ليست مستباحة. وكأنّ المشهد الذي نراه منذ السابع من أكتوبر، بكلّ دراماتيكيته، وبشاعته وما تبعه من حصار وتجويع وقصف وإبادة، لا يندرج تحت بند الاحتلال، ليأتي كنيست الاحتلال بقراره الأخير باحتلال قطاع غزّة من جديد.
واحدة من الأكاذيب التي يتعمّد نتنياهو ترويجها باستمرار، هي تلك التي يبرّر بها استمرار المقتلة، سعيًا لتحقيق مكاسب شخصية وأخرى سياسية، مستمرًا في محاولاته لتهجير السكان وزيادة الضغط عليهم، في إجرامٍ بلغ من الوحشية ما لا يطيقه بشر، وه يخطط لمواصلة حربه بشتى الوسائل والطرق، غير آبه بأي شيء.
ما يعيشه الناس في غزّة من قتل وقهر وتجويع، لم يشهده أحد من قبل، في مساحة صغيرة وضيّقة كقطاع غزّة، وقد تحوّلت الأرض إلى خراب، والمنازل إلى ركام، والمشهد برمّته شهادة حيّة على واقعٍ قاسٍ وموتٍ يلاحق الناس في كل زاوية، حتى عند نقاط توزيع القليل من الطعام، فلم يسلم أحد من عمليات القصف والقنص.
قرار “كابينيت” الاحتلال باحتلال قطاع غزّة وفرض السيطرة المباشرة عبر إدارة عسكرية، هو جزء من مخطّط الطرد والتهجير، في سياق السعي لتحويل غزّة إلى أرض خالية من سكّانها، حيث يأتي هذا القرار بعد 673 يومًا من حرب الإبادة الجماعية، في انعكاس صارخ لهشاشة المجتمع الدولي ومؤسساته، التي عجزت عن وقف المجازر والمذابح، وهذا بالدليل القاطع، يشير إلى عدم الاكتراث بكل الأصوات المندّدة والمطالبة بوقف الحرب، بل وربما إلى تواطؤ ضمني. وعلى ما يبدو، فإننا نقترب من عمليات أكثر بشاعة على أرض غزّة، حيث يستعدّ الاحتلال لفرض احتلال كامل، ويسعى لحشر السكّان في زوايا معيّنة، تسهيلاً لدفعهم نحو الهجرة القسرية.
القرار الأخير لحكومة نتنياهو يعني استمرار الحرب بدمويّتها، وهروبًا جديدًا من أيّ مسارٍ يفضي إلى صفقة تُوقف الإبادة وتنهي المجاعة، كما أنه يُعبّر عن موافقة ضمنية، سرّية على الأقل، من إدارة ترامب، وإلا لما أُتخذ هذا القرار دون “الضوء الأخضر” الأمريكي، وهذا ما يفسر تصريحات ويتكوف الأخيرة التي أطلقها، حين كانت الأنظار تتجه لقرب التوصل لاتفاق، فجاءت تصريحاته بوقف المحادثات، وجاء في كلامه دعمًا لخطط نتنياهو وحكومته.
غزة المحتلة قهرًا، وقتلًا، وحصارًا، وتجويعًا، وتدميرًا، ترى في القرار زيادة قهرية على حياة المقهورين، وارتفاعًا في منسوب المعاناة والألم، وشهوة مفرطة لاجترار المزيد من الدماء، والناس يحاولون ما استطاعوا، البقاء ولو على ركام بيوتهم المدمرة، وسط الجوع، والخوف، والموت، في انتظار صحوة ضمير العالم، وأن يأتي لوقف هذه الجرائم ومحاسبة مرتكبيها.
- صحيفة القدس
- ي.ك

