استمر التعاون العسكري بشكل سري إلى أن انهارت صفقة رادار “فالكون” عام 2000 تحت الضغط الأميركي، ما أدى إلى تعويض ضخم بلغ 350 مليون دولار وحدوث فتور في العلاقات الدبلوماسية. وتكررت التداعيات السلبية عندما أطلقت الصين طائرات “هاربي” المسيّرة الإسرائيلية، الأمر الذي فجّر غضبًا أمريكيًا جديدًا ودفع إسرائيل إلى تقليص التعاون الدفاعي مع بكين.
ومن ناحية أخرى، تراجعت الصين تدريجيًا عن دعمها السياسي والعملي للفلسطينيين، رغم إرث طويل من التأييد الثوري للقضية الفلسطينية. ففي ستينيات القرن الماضي، كانت الصين من أوائل الدول التي اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية، وقدّمت دعمًا عسكريًا للثورة الفلسطينية، واحتضنت مكتبًا رسميًا للمنظمة في بكين. لاحقًا، اعترفت بدولة فلسطين عام 1988، واستمرت في دعمها السياسي على الساحة الدولية، إلا أن هذا الدعم أخذ منحى رمزيًا ودبلوماسيا أكثر منه سياسيا، لا سيما في العقود الأخيرة، حيث غابت بكين عن جهود الوساطة الفعلية، واكتفت بتصريحات دبلوماسية تؤكد دعمها لحل الدولتين، وتقديم مساعدات إنسانية محدودة، إلى جانب تنظيم فعاليات تضامنية سنوية عبر جمعية الصداقة الصينية–الفلسطينية.
السياسة الصينية منذ 2010 شهدت تحولًا واضحًا نحو البراغماتية، حيث عمّقت الشركات الإسرائيلية علاقاتها التجارية مع الصين، ولحقت بها الحكومة، خاصة بعد زيارة نتنياهو إلى بكين عام 2013، التي مهدت لقفزات في الاستثمارات الصينية بمجالات التكنولوجيا الفائقة والبنية التحتية. وفي الوقت الحالي، تتميز سياسة بكين بالاعتدال والسعي إلى لعب دور الوسيط بين الفلسطينيين والإسرائيليين. صحيح أن الصين لا تزال تدعم الحقوق العربية المشروعة، ومنها حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، وتطالب بتطبيق قرارات الأمم المتحدة، إلا أنها باتت تأخذ في الاعتبار الموقفين الأميركي والإسرائيلي عند رسم سياستها تجاه الشرق الأوسط.
بكين اختارت أن تأخذ موقفا في الوسط، وعدم الانحياز إلى أي طرف في الصراع، وهو ما انعكس عمليًا في تراجع مواقفها السابقة المعادية لتل أبيب، واعتبار جميع الأطراف في المنطقة أصدقاء، مع تركيز علاقاتها العربية على الدول المعتدلة، وتجنب أي صلات مع منظمات المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، والاكتفاء بالتواصل مع السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس.
على الجانب الإسرائيلي، أقيمت العلاقات الرسمية مع الصين عام 1992، وسرعان ما توسعت لتشمل مجالات التجارة، التكنولوجيا، والبنية التحتية. بين عامي 2020 و2022، أصبحت الصين ثاني أكبر مستورد للصادرات الإسرائيلية، مما عزز موقعها كشريك اقتصادي حيوي لتل أبيب. ورغم اعتراضات واشنطن على مشاريع حيوية مثل تشغيل شركات صينية لميناء حيفا، فإن إسرائيل راوغت ببراعة، فأنشأت هيئة لمراقبة الاستثمارات الأجنبية لتهدئة القلق الأميركي، دون التضحية بمصالحها الاقتصادية مع بكين.
وتُظهر هذه الديناميكية كيف استطاعت إسرائيل أن تستفيد من الصين في تعزيز حضورها الاقتصادي العالمي، دون أن تخسر دعم حليفها الأميركي. أما فلسطين، فرغم العلاقات التاريخية مع بكين، لم تستطع الحفاظ على نفس الزخم، بسبب غياب النفوذ الاقتصادي والسياسي، والانقسام الفلسطيني المزمن، وتراجع الاهتمام الدولي بالقضية. وبينما تزداد الصين نفوذًا في الشرق الأوسط، يظل دورها في الملف الفلسطيني محدودًا، ما يجعل آمال التقارب معها أقرب إلى السراب منه إلى الواقع.
وفي السياق ذاته، يرى مراقبون أن الصين، رغم تصريحاتها المتكررة حول دعم إقامة دولة فلسطينية مستقلة، لم تستخدم أوراقها الاقتصادية للضغط على إسرائيل، ولم تمارس أي جهد عملي لوقف الاستيطان أو العدوان على غزة، بل إن بكين، التي كانت في الماضي من أبرز الداعمين لحركات التحرر، باتت تفضل الحياد الدبلوماسي، حفاظًا على مصالحها التجارية والاستراتيجية في المنطقة.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الصين لا تزال تحتفظ بموقف مبدئي داعم للقضية الفلسطينية، يظهر في تصويتها لصالح قرارات أممية تدين الاحتلال، وفي رعايتها لبعض مبادرات المصالحة الفلسطينية، مثل “إعلان بكين” الذي جمع ممثلين عن فتح وحماس في تموز 2024. لكن هذه المبادرات تبقى محدودة التأثير، ولا ترقى إلى مستوى الوساطة الفاعلة التي يمكن أن تغير موازين الصراع.
تُبرز العلاقة بين الصين وإسرائيل نموذجًا للبراغماتية السياسية والاقتصادية التي باتت تُسيّر سياسات القوى الكبرى في الشرق الأوسط. فقد استطاعت بكين أن تُوازن بين طموحاتها الاقتصادية في المنطقة وبين حرصها على عدم إثارة غضب الشركاء الغربيين، وفي مقدمتهم واشنطن. وفي الوقت الذي تخلت فيه عن خطابها الثوري الداعم للقضية الفلسطينية، اختارت الصين الانخراط في لعبة التوازنات، متجنبة الانحياز المعلن لأي طرف في الصراع.
لكن هذا الحياد، وإن بدا عقلانيًا من منظور المصالح، يخدم في نهاية المطاف إسرائيل أكثر من فلسطين، إذ سمح لتل أبيب بتوسيع تعاونها مع القوة الثانية اقتصاديًا في العالم، دون أي ضغوط تُذكر على ملفات حساسة كالاستيطان أو الحصار. أما الفلسطينيون، فيبقون خارج حسابات المعادلة الواقعية التي تتبناها بكين، رغم الرمزية التي يُحافظ عليها الخطاب الصيني الرسمي.
ويُعزى تراجع تأثير العلاقات الصينية–الفلسطينية منذ اتفاق أوسلو إلى ضعف الحضور الفلسطيني الدبلوماسي، الذي تفاقم بفعل الانقسام السياسي، وتعدد مراكز القرار، وهيمنة الفصائلية، وغياب الاستراتيجية الموحدة. كما يعاني الجهاز الدبلوماسي الفلسطيني من ترهل وظيفي وافتقار للفاعلية، في ظل تعقيدات الواقع السياسي الداخلي، مما جعل الصوت الفلسطيني الدولي خافتًا، وغير قادر على جذب دعم عملي من القوى العالمية، بما فيها الصين.
واخيرا تكشف هذه الديناميكية عن تراجع مركزية القضية الفلسطينية في السياسات الدولية، وعن تحول الصين من دولة داعمة لحركات التحرر، إلى قوة عظمى تضع الاقتصاد أولًا وفي تقاسم خرائط النفوذ. وفي ظل غياب مبادرات فاعلة، تبقى الآمال معلقة على تغيرات دولية قد تُعيد الاعتبار لحقوق الفلسطينيين، أو على تحرك داخلي يعيد ترتيب البيت الفلسطيني ويستعيد موقعه الدبلوماسي المفقود. وفي هذا السياق، فإن تزايد الدعم العالمي للقضية الفلسطينية وإعادتها للصدارة على إثر جرائم الحرب الإسرائيلية وسياسة التجويع يشكّل فرصة تاريخية لتوثيق العلاقات مع الصين وعدد من القوى الدولية الفاعلة، إلا أن تحقيق ذلك يظل معلقًا بشرط جوهري وهو إنهاء حالة التفكك في المشهد الرسمي الفلسطيني، وإصلاح أداء منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية لتواكب التحولات وتستثمر اللحظة الدبلوماسية المتاحة.

