عظام من غزة

عظام من غزة
عيسى قراقع
03 أغسطس 2025

رجلٌ من غزة،

هيكلٌ ناشف، عظامٌ تصطكُّ ببعضها كأنها تسأل:

“هل أنا حيّ؟ أم أنّ الموتَ نسي أن يأخذني؟”‪.‬

عينان مفتوحتان…

لا على الحياة، بل على دهشةٍ مرّة،

دهشة الجائع حين لا يجد حتى موتاً يشبعه.

ليس واضحاً:

هل هذه النظرة من الجوع؟

أم من قهرٍ صامتٍ كقبورنا؟

أم من خوفٍ مُعلّق بين السماء والسقف؟

أم من خيبةٍ أعمق من الحصار؟

خيبة من العالم، من العدالة،

من كل ما تُسمّونه “إنسانية”.

الرجل لا يبكي…

لأن الدمع ترف، والماء شحيح،

ولأن البكاء في غزة ترف لا يقدر عليه سوى الأحياء.

أيها العالم:

هل تسمع؟ هل تحس؟

هذا الذي يتهاوى أمامنا لم يكن متسولاً،

كان أباً، وكان معلماً، وكان إنساناً،

لكنكم أشعلتم إبادة،

أغلقتم المعابر،

تركتموه يصير هيكلاً عار إلا من الكرامة،

أيّها العالم،

هل تُدرك معنى أن تصير العظام لافتة احتجاج؟

أن تكون نظرة الجائع أكثر فصاحة من كل برلماناتكم؟

أن تصير الخيبة وجهاً لا يُغلق عينيه،

حتى بعد الموت؟

رجلٌ من غزة…

لم يمُت من قذيفة،

ولا من قلة الطعام،

بل من فائض الكذب،

من صمتٍ عالميٍ أشدّ وقعاً من كل الانفجارات،

هيكل من غزة، لا يسقط اليوم من الجوع فحسب،

بل من الخيانة.

لو عدت حياً،

لما طالبت بطعام،

بل بسؤال واحد:

لماذا كل هذا الموت يحتاج إذناً كي يدان؟

ولماذا نحن فقط نحتاج أن نموت كثيراً؟

كي يقال عنا بشر،

جسدي العظمي هو غزة الآن،

مت جوعا، لكن ليس لأن الطعام لم يكن موجوداً،

بل لانكم أغلقتم الطرقات،

وجعلتم من الحصار سمسرة،

واستثمرتم الموت في اقتصاد الإبادة،

الجوع في غزة صار صناعة ثقيلة،

أرباح،

الموت يباع بالجملة،

أنا ميت الآن،

لكن صمتي لن يكون صفقة

 

  • صحيفة القدس
  • ي.ك