قالت آمال صيام، مديرة مركز شؤون المرأة في غزة، إن قطاع غزة يعيش اليوم واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخه، مع دخول المجاعة مراحل غير مسبوقة ووفاة عشرات الأطفال نتيجة الجوع الحاد. وأضافت صيام أن ما يحدث ليس فقط أزمة إنسانية، بل جريمة حرب مكتملة الأركان ترتكبها إسرائيل باستخدام التجويع كسلاح مباشر في حرب إبادة جماعية تستهدف المدنيين الفلسطينيين في القطاع.
وجاءت تصريحات صيام خلال لقاء خاص عبر إذاعة شباب إف إم، وبالشراكة مع الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة – أمان، حيث تناول اللقاء الواقع الغذائي المتدهور في غزة، والتحديات التي تواجه المنظمات الأهلية، والمسؤولية الدولية تجاه ما يجري، والرسائل الواجب إيصالها إلى شعوب العالم.
أوضحت صيام أن سكان غزة باتوا في مواجهة مفتوحة مع المجاعة، في ظل انعدام تام للطحين والمواد الغذائية الأساسية، ومع توقف دخول المساعدات منذ شهور، مشيرة إلى أن بعض الأهالي يلجؤون إلى تناول الماء والملح وأوراق الشجر لتجنّب تعفن الجهاز الهضمي بسبب الجوع القاتل. وأضافت أن المستشفيات تسجل يوميًا حالات وفاة بسبب سوء التغذية، فيما تتحدث تقارير وزارة الصحة عن استشهاد أكثر من 620 شخصاً حتى الآن بسبب الجوع، من بينهم 80 طفلاً على الأقل، إلى جانب عشرات الآلاف من النساء الحوامل والمرضعات اللواتي يعانين من نقص حاد في الغذاء، ما يؤثر على قدرتهن على الرضاعة الطبيعية ويعرّض الأطفال لخطر الموت.
وحول توزيع مناطق المجاعة داخل القطاع، قالت صيام إن الكارثة لم تعد محصورة في منطقة واحدة، مؤكدة أن الشمال والجنوب يعانيان على حد سواء من انعدام الأمن الغذائي، مشيرة إلى أن الأسواق في كلا المنطقتين باتت فارغة تمامًا، وأن أي مساعدات تدخل إلى القطاع تُدفع أثمانها من دماء الشباب والنساء والأطفال. وتابعت: “لم يعد هناك فرق بين من يملك ومن لا يملك، الجميع اليوم تحت خط الجوع”.
وعن دور منظمات المجتمع المدني، أوضحت صيام أن المؤسسات المحلية، بما فيها النسوية، كانت في طليعة المستجيبين منذ اللحظة الأولى، حيث قامت بتوزيع الطرود الغذائية والمساعدات، لكنها باتت اليوم عاجزة كلياً بعد نفاد المخازن وتوقف الإمدادات. ووصفت الأوضاع داخل المراكز الاجتماعية بالكارثية، مشيرة إلى أن مركز شؤون المرأة استقبل مؤخراً سيدتين فقدتا وعيهما أمام العاملين بسبب الجوع والإعياء. وأكدت أن المؤسسات الأهلية تواصل نداءاتها إلى العالم من أجل وقف آلة القتل الجماعي ورفع الحصار، لكنها تواجه صمتاً دولياً وعجزاً عربياً مطبقاً.
وفي ما يخص شحنة المساعدات التي أعلنت عنها الأونروا، والتي يُقال إنها تكفي غزة لمدة ثلاثة أشهر، لكنها ما تزال محتجزة على معبر رفح، طالبت صيام بتحرك دولي فوري للإفراج عنها، معتبرة أن البيان الذي وقّعت عليه 28 دولة، بينها بريطانيا وكندا وأستراليا، للمطالبة بوقف الحرب ورفع القيود عن تدفق المساعدات، خطوة مهمة يجب البناء عليها. ودعت إلى الضغط الحقيقي على الاحتلال لفتح المعابر والسماح بدخول المساعدات عبر قنوات إنسانية موثوقة، ورفض أي نماذج توزيع لا تضمن كرامة الناس، في إشارة إلى ما يسمى بـ”مؤسسة غزة الإنسانية” التي وصفتها بأنها تنتهك معايير العمل الإنساني، وتُذل الناس بدل أن تخدمهم.
وشددت صيام على ضرورة تمكين المنظمات الدولية كالأونروا من أداء دورها الكامل في توزيع المساعدات دون تدخلات سياسية، معتبرة أن ما يُطرح من حلول كإسقاط المساعدات من الجو مرفوض جملة وتفصيلاً، لأن غزة لديها معابر يجب فتحها، ولدى الفلسطينيين الحق في استلام الغذاء والماء بطريقة تحفظ كرامتهم وإنسانيتهم.
في ختام اللقاء، وجّهت صيام رسالة إلى شعوب العالم، العربية والإسلامية والدولية، قالت فيها إن غزة خذلت من الجميع، وتركها العالم تموت جوعًا وقهرًا. وأكدت أن التضامن الشعبي في الشوارع وعلى مواقع التواصل مهم، لكنه غير كافٍ، لأن ما يجري في غزة هو حرب إبادة تتطلب موقفًا سياسيًا وأخلاقيًا حازمًا من كل من يؤمن بالعدالة وحقوق الإنسان. وأضافت أن على كل من يصف نفسه بالإنسان أو المدافع عن القيم الإنسانية أن يرفع صوته اليوم، ويطالب برفع الحصار، ووقف القتل، والسماح بدخول المساعدات بشكل عاجل، مشددة على أن صمت الضمير العالمي بات شريكًا في الجريمة.
وقالت صيام: “نحن في غزة لا نطلب صدقات، نطالب بحقنا في الحياة، نطالب بكسر الحصار، نطالب بأن نعيش بكرامة. كل صوت حر في هذا العالم عليه أن يتحرك الآن، قبل أن يتحول الصمت إلى شراكة في الإبادة”.

