أخطار جديدة

أخطار جديدة
عمرو الشوبكي
25 ديسمبر 2024

لا يزال البعض في العالم العربي يكرر عقب أي أزمة، أو تغيير عنيف، أو سلمي، أو حروب، أن وراء الأمر مخططاً أميركيّاً صهيونيّاً لتقسيم بلاد العرب وتفتيتها. صحيح أن الاستعمار قسّم العالم العربي ورسمت اتفاقية «سايكس بيكو» حدود العرب الجديدة بأيادٍ استعمارية، ولكن هل لا يزال الخطر الذي يواجه المنطقة العربية هو التقسيم أم باتت هناك أخطار جديدة تجاوزت هذا المفهوم؟

صحيح أن هناك تياراً يعتبر أن هناك مخططاً للتقسيم لم يتغير منذ اتفاقات «سايكس بيكو»، وسمعنا كثيراً عن وجود خطط غربية لتقسيم العالم العربي باتت جزءاً من نظريات المؤامرة، التي تهيمن على تفكير جانب من النخب والرأي العام العربي.

وتكرر الحديث عن «مخطط التقسيم» عقب سقوط نظام بشار الأسد، وتجاهل البعض جرائم النظام ومسؤوليته عما جرى، ونظر إلى التغيير باعتباره جزءاً من مخطط أعدته أميركا وإسرائيل لتقسيم العالم العربي، وهو نفس الكلام الذي سبق أن تردد عقب الغزو الأميركي للعراق في 2003 وسقوط نظام صدام حسين، وأيضاً عقب سقوط نظام القذافي وغيرها من تجارب التغيير أو المحن التي مر بها العالم العربي.

واللافت أن العراق لم ينقسم وظل كياناً واحداً. صحيح أنه أعطى بحكم الواقع حكماً ذاتيّاً للأكراد ولم تسمح تركيا ولا الداخل العراقي بأن يتحول إلى دولة مستقلة، وحتى ليبيا التي تشهد انقساماً بين الشرق والغرب لم تنقسم رغم أنها تاريخيّاً كانت مقسمة إلى ثلاث مناطق، أما لبنان الذي دخل في حروب أهلية ويعرف انقسامات مذهبية ومناطقية فلم ينقسم رغم علاقات نخبه القوية بالخارج، أما السودان فلم يكن يحتاج إلى تدخل خارجي لينقسم جنوب السودان، إنما كان بسبب رفض أهله البقاء تحت حكم ديني متشدد، ودخل بعد ثورته في حرب دموية بين الجيش والدعم السريع نتيجة الصيغة الكارثية التي تركها نظام البشير، وهي وجود الجيش النظامي وبجانبه قوة مسلحة موازية هي الدعم السريع، وليس بسبب وجود مخطط استعماري للتقسيم، إنما وجود أطراف داخلية تسعى للسيطرة والحكم.

والحقيقة أن الغرب الاستعماري لم يعد يحتاج لكي يحقق مصالحه أن يقسم العالم العربي، ليس لأنه بات أكثر حرصاً على مصالح العرب، إنما لأنه ببساطة يفضل السيطرة على دول غير منقسمة، ولكنها متوائمة مع مصالحه الاستراتيجية، ولا تمثل تهديداً لإسرائيل. أما التقسيم فإنه سيؤدى عادة إلى ذهاب آلاف من اللاجئين إلى أوروبا والغرب، في وقت بات يرفضهم سياسيّاً وثقافيّاً، كما سيفتح الباب أمام انتشار التطرف والإرهاب، وهي كلها أخطار ستتزايد حدتها مع التقسيم.
لم يعد من ضمن أهداف الغرب تقسيم العالم العربي، ليس بالضرورة بسبب نبل المقاصد، إنما لأن مصالحه لم تعد تحتاج لهذا التقسيم، وأنه بات يمتلك أدوات اقتصادية وسياسية للسيطرة على الدول دون الحاجة إلى تقسيمها.

 

  • صحيفة الأيام
  • ي.ك