يبدو أن الشاب، الذي قتل أباه قبل أيام في بلدة تابعة لمحافظة جنين وظهرت جثته بعد أن صب عليها الباطون، قد تأثر بأحد الأفلام التي عرضت مثل هذه الطريقة البشعة في القتل مرات عديدة. وهناك قصة رعب كلاسيكية سبق أن قرأتها مستوحاة من أحداث حقيقية، وهي قيام زوجة بقتل زوجها ثم صب الإسمنت فوقه وإقامة جدار ثان في الغرفة. أصبحت مساحة الغرفة أضيق مما كانت عليه ولم تنكشف الجريمة إلا بعد سنوات طويلة حين انتقل ساكن جديد إلى البيت وتمعن في مساحات الغرف، ولاحظ أن غرفة بعينها أضيق مساحة من الغرف الأخرى.
لكن الفتى القاتل لم ينتظر أن تتكشف خيوط الجريمة، وأبلغ الشرطة عن جريمته وهي قتل أبيه، ويبدو أن هناك رائحة تواطؤ من بعض أفراد الأسرة أو كلها ويبدو أن علينا أن نستعد لسماع أحداث مؤلمة تسببت في نهاية مروعة لرب البيت الذي يعمل سائق أجرة.
في الكثير من التعليقات حول الجريمة، نشر رواد مواقع التواصل الاجتماعي آية قرانية تشير إلى أن أولادنا قد يكونون أعداء لآبائهم وأمهاتهم، والحقيقة أن المعنى القرآني لا يُقصد به أمور دنيوية مثل أن يقتل الابن أباه أو يمارس ضده شتى صنوف العقوق، لكن المقصد أن انشغال الآباء والأمهات بأمور أولادهم وحياتهم وانغماسهم في تأمين مستقبلهم قد يشغل الآباء والأمهات عن القيام بواجباتهم الدينية والتقصير في العبادة.
في الحقيقة، ينغمس الآباء والأمهات في توفير متطلبات الحياة لأولادهم وينسون ويتناسون انفسهم، كما انهم ينسون أسس التربية ويركضون ليل نهار لتأمين لقمة العيش وتوفير السكن ومتطلباته من أكل وشرب وغسيل ملابس وتنظيف، وهكذا فنحن نحول أولادنا لأعداء لنا.
نحول الأولاد لأعداء لأننا اغفلنا تربيتهم والجلوس معهم وتدارس نفسياتهم خاصة في مراحل حرجة من حياتهم، ولأننا اغفلنا انفسنا فلم نهتم بصحتنا ولا هواياتنا ولا تزجية أوقاتنا ولا حتى إيجاد مساحة خاصة لنا نستطيع من خلالها تجديد مزاجنا وإزالة الطاقات السلبية التي تخلفها المشاكل والهموم اليومية.
النتيجة هي البعد والتعب والنتيجة أن يمر العمر وننسى أن نعيش كما ننسى أن نربي، لذلك فلا عجب أن تحدث جريمة ولا عجب أن نفاجأ جميعا أن الجاني ليس ابنا واحدا، أو أن هناك تخطيطا مسبقا ومطولا لها ربما لأسباب كثيرة، أهمها أن الأب قد نسي أن يربي ابنه وان يصادقه.
خيوط الجريمة ربما لم تتكشف بعد ولن يفيدنا كثير الخوض في أسبابها لأننا في النهاية سوف نخلص لنتيجة مهمة وهي أن هناك خللا اسريا ولا يمكن أن يتم ذلك الجرم الكبير في بيت يملؤه الود والمحبة والتفاهم، وعليه فنحن الذين نربي أعداءنا بأيدينا حين نصب كل اهتمامنا عليهم، وحين نحولهم لعاقين وحين ننسى انفسنا بسبب انشغالنا بهم وفرحتنا بهم وهم يكبرون، وننسى أننا أيضا نكبر ولم نفعل شيئا لأنفسنا وأهدرنا سني عمرنا ونحن لا نفكر سوى بهم، حتى إذا ما كبروا فهم أول المكتشفين لفداحة جرمنا بحقهم وبحق أنفسنا.
- صحيفة الأيام
- ي.ك

