طيران في نابلس

طيران في نابلس
زياد خدّاش
04 يونيو 2024

جئت متدربا ومدربا إلى نابلس، سأظل أعتز بهذه التجربة، سأظل ممتلئا بها، أن تكون في نابلس حتى لو كنت وحيدا تمشي، وتتنقل برفقة ظلك بين أسواقها وأزقتها، فهذا حدث جدير بالاتصال بصديق في عمان مثلا لإخباره: اليوم، كنت في نابلس، هل تصدق؟، فكيف إذا كنت هناك وأنت ممتلئ بفكرة ترك أثر في روح نساء وطنيات متحمسات، سيكتبن قصص فداحة هذا النوع المروع من المأساة الفلسطينية: أن تكون بعيدا عن غزة تترقب متجمدا بلا نوم ومرعوبا أمام الجزيرة موت أعزائك وبيتك وحارتك.

كم أحب نابلس! تدربني هذه المدينة على الصعود درجات إضافية إلى شجرة إنسانيتي  (لأقطف ثمار معان بطعم مختلف تكون عصية على القطف في المدن الأخرى) وفي انتمائي للبلد، كلما جئت لأدرب طلابها ومبدعيها على كتابة الألم الفلسطيني.

في مدينة الحياة التي يبتسم سكانها بغزارة وتصير ابتسامتهم بيوتا ومقاهي، ويبدون لطفا غريبا، وتحايا.

أوشكت على الانتهاء، من ورشات كتابة ألم الفلسطينيات الغزيات، في نابلس، ألم نساء غزة المريضات ومرافقات المريضات العالقات في مشافي وفنادق نابلس، تدربني نابلس على طمأنينة درس الخلود، أنا باقية منذ آلاف السنين.

تتوهج التجارب الشخصية والثقافية والمهنية في نابلس، ويصير لها بعدا حلوا وممتعا وغامضا، منذ عشر سنوات ولأسباب عديدة وقعت في حب نابلس، وحين يطلب مني تدريب أو أمسية أو حتى مرافقة صديق إلى هناك، أطير من الفرح.

دعاني مركز بيسان للبحوث والإنماء في رام الله لتدريب نساء من مختلف الأعمار على كتابة وتوثيق قصص النساء الغزيات المريضات ومرافقيهن، العالقين في نابلس بسبب الحرب في غزة. جئت إلى المنتدى التنويري الثقافي الذي تبنى فكرة التدريب، كانت الفكرة مثيرة ومحزنة، أن ندخل أعماق شخص خائف لا ينام ونكتب لأنومه وقلقه وسيرة خوفه بأسلوب توثيقي جمالي ابداعي، كنت قلقا من فكرة أن النساء اللاتي أريد تدريبهن لا يمتلكن مهارة الكتابة الإبداعية، فالحماسة لمقابلة الغزيات وتوثيق قصصهن لا تكفي لكتابة نص لا يتوقف عن الوجود في أذهان القراء حين ننشر القصص في كتاب أو نقرأ منه في أمسية لكني فوجئت كما دائما أفاجأ بحساسية خاصة ولغة مختلفة وخيال مجنون، وفهم لتنكيك السرد، وألعابه، يهيأ لي أحيانا من تكرار مفاجآت إبداعات الطالبات والنساء عموما، أن كل أمرأة هي مشروع كاتبة، وفنانة، وأن أي امرأة في العالم، بإمكانها أن تكون رسامة أو شاعرة، ثمة موهبة فطرية في أدمغتهن وظائفها عديدة: التنبؤ بألم الآخرين، والحدس بالأحداث، وتخيل الأشياء التي لا تحدث، وأهم شيء الانحياز للجمال والعدل.

في المنتدى التنويري الثقافي، قابلت نساء بحجم الفكرة تماما، لا ينقص منهن هاجس وطني أو إنساني واحد، كن متحمسات لمقابلة النساء المتوجعات الغزيات وكتابة قصصهن، كنت محظوظا جدا، بوجود فنانتين تشكيليتين، مي شامي وجيهان أبو عمر، والمفاجأة هو أنهما تكتبان النصوص الجميلة أيضا، أعمار المشاركات تفاوتت من 20 وحتى الستين، وتقبل الغريب في أساليب الكتابة كان رائعا لدى المشاركات، أما الانفتاح على الإنساني في القص والذهاب بعيدا إلى جزر الخيال الزرقاء، فكان كافيا لأعود إلى بيتي مطمئنا إلى أثر سيبقى لي في نابلس.

تشرفت بهؤلاء المبدعات:

تالا جوني وجيهان أبو عمر وأسماء همشري وعبير فيضي وتيما غزال وسرى القيسي ونانسي عنبتاوي ووفاء عنبتاوي وشذى عبده ومي شامي وغزل نضال وعدين ظافر ولينا المصري ومها حاتم وأسيل حماد.

أريد أن أشكر المبدعة فاطمة عبدو عضو الهيئة الإدارية لمنتدى التنوير، والتي نسقت وتابعت وشاركت معنا في صنع كل هذا الجمال السردي، وكل الاحترام والإعجاب  بالمنتدى التنويري الثقافي صاحب المبادرات الثقافية والإنسانية والاجتماعية، بإدارة العزيز يوسف نصر الله.

 

  • صحيفة الايام
  • ي.ك