يصادف في الخامس من حزيران من كل عام ما يعرف بـ “اليوم العالمي للبيئة”، حيث بدئ الاحتفال به منذ العام 1972، بناء على قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، حين تم عقد أول مؤتمر للأمم المتحدة يعنى بالبيئة البشرية في السويد، ومنذ ذلك اليوم، يتم الاحتفال بهذا اليوم في كل عام مع التركيز على موضوع بيئي محدد، بهدف زيادة التوعية بأهمية البيئة وضرورة الحفاظ عليها، وتزداد هذه الأهمية في مناطق مثل مناطقنا، حيث الموارد الطبيعية محدودة، واستهلاكها غير مستدام، مع ضعف الوعي البيئي، وغياب الممارسة البيئية السليمة، وتفاقم تأثير التغيرات المناخية هذه الأيام.
وفي هذا العام، أي العام 2022، تم اختيار موضوع “هناك كوكب واحد فقط أو أرض واحدة للعيش المشترك عليها”، كشعار لليوم العالمي للبيئة، والهدف هو التحذير من الاستخدام المفرط وغير المستدام، للمصادر الطبيعية في كوكب الأرض، الذي يعيش فيه حوالى سبعة مليارات إنسان، يحتاجون إلى هذه المصادر وإلى استهلاكها بعناية، وإلى التوجه نحو المصادر المستدامة، للحفاظ على الأرض وما تحويه، وفي الوقت نفسه للحد من – أو التعامل العلمي مع – تداعيات التغيرات المناخية التي تجتاح العالم ونحن جزء منه.
وهذا يعني تشجيع التوجه نحو النشاطات الاقتصادية الخضراء، ونحو مصادر الطاقة المستدامة، التي لا تتداعى مع الزمن وتلوث البيئة، وكذلك نحو البناء الأخضر بأنواعه، الذي يهدف إلى ترشيد استخدام الطاقة والمياه والمصادر الطبيعية، وإلى تقليل إنتاج النفايات بأنواعها المختلفة، خلال وبعد الانتهاء من البناء، مثل استخدام الطاقة الشمسية أو المتجددة بشكل أساسي وفعال، وإعادة تكرير المياه العادمة، واستخدام المياه الرمادية، ووجود أنظمة من أجل فصل النفايات وتدويرها.
والممارسات الخضراء من المفترض أن تحد من كميات الغازات التي يتم بثها من مصادر الطاقة التقليدية كالبترول والفحم، مع العلم أن حوالى 30% من غازات التلوث أو ما تعرف بـ”غازات البيت الزجاجي” يتم بثها من خلال المباني، وهذا ينطبق كذلك على استغلال المياه، مع العلم أن تصميم المباني بشكل بيئي أو أخضر، يمكن أن يؤدي إلى توفير حوالى 12% من كمية المياه، وفي الوقت نفسه دلت الدراسات أن حوالى 40% من النفايات الصلبة يتم إنتاجها من خلال نشاطات الناس أو السكان في المباني، وبالتالي يمكن تصور الأبعاد الاقتصادية والصحية والبيئية للحد من جزء من هذه النفايات، أو لإعادة تدوير جزء منها، كجزء من تصميم المباني الخضراء.
ومن ضمن القطاعات التي ما زلنا نعتمد وبشكل كبير على الآخرين في الحصول عليها، هي قطاع الطاقة والمحروقات والمنتجات البترولية وما يتبعهما، وما زلنا نشتري الكهرباء والبنزين، وندفع مقابل ذلك أسعارا مرتفعة، وفي الوقت الذي تقوم فيه الدول أو المجتمعات بالاستثمار في قطاعات الطاقة المتجددة أو النظيفة أو المستدامة، من شمس ورياح، سواء لتوليد الكهرباء أو للصناعة، ما زلنا نشتري الكهرباء، التي يتم إنتاجها في مناطق أخرى، أي التي لا نتحكم فيها أو في أسعارها أو جودتها، وندفع مقابلها أثمانا مرتفعة، وما لذلك من تبعات على التنمية والاستدامة.
ويحل اليوم العالمي للبيئة هذا العام، مع تفاقم القلق والرعب من ما يعرف بظاهرة “تأثير البيت الزجاجي”، التي تتشكل بسبب ازدياد انبعاث الغازات ومن ضمنها غازات أول وثاني أكسيد الكربون والميثان وأكاسيد النيتروجين ومركبات عضوية هيدروجينية وغيرها إلى طبقات الجو العليا، حيث إن هذه الغازات تشكل نوعا من الحاجز الذي يمنع أشعة الشمس المنعكسة من سطح الأرض من النفاذ إلى طبقات الجو العليا، بل تعمل على امتصاصها ومن ثم إعادتها إلى سطح الأرض وهذا بدوره يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض، حيث يؤدي هذا إلى تسارع ذوبان الجليد وبالتالي ازدياد البقعة التي تغطيها المياه والفيضانات، والذي يمكن أن يؤدي إلى غرق أو اختفاء بعض الأماكن والجزر في العالم.
وعلى الصعيد البيئي الفلسطيني، ما زالت ممارسات المستوطنين التي تلحق الضرر في مكونات النظام البيئي الفلسطيني متواصلة، سواء من حيث التخلص من نفايات المستوطنين في المكبات الفلسطينية أو في الأراضي الفلسطينية، وكذلك استمرار تدفق المياه العادمة، من المستوطنات الإسرائيلية إلى المناطق الفلسطينية المحيطة بها، وما يمكن أن تحويه هذه المياه العادمة من مواد كيميائية ومن معادن ومن ملوثات بيولوجية تترسب في التربة وتحد من خصوبتها، وربما تلوث خزانات المياه الجوفية.
ومع حلول اليوم العالمي للبيئة للعام 2022، فإننا نحتاج إلى تطبيق سياسات بيئية وصحية وبأن يتم اعتبار ذلك أولوية في خطط التنمية الفلسطينية، وبالأخص فيما يتعلق بالتخلص من النفايات الصلبة ومن ضمنها النفايات الغذائية أو العضوية المنزلية، والمياه العادمة، وكذلك استخدام المبيدات أو المواد الكيميائية الأخرى، وكذلك اتباع سياسات صحية تعمل على التوعية وزيادة الاهتمام بالبيئة، وتعمل على ترسيخ ثقافة عدم الاستهلاك المفرط، والتوجه نحو أساليب وعادات إعادة تدوير النفايات، ونحو المصادر المتجددة للطاقة من شمس ورياح وغاز، من أجل الحفاظ على المصادر الطبيعية للأجيال الحالية والقادمة، والأهم من أجل التعامل المنظم والمبرمج مع تأثيرات التغيرات المناخية على مصادرنا الطبيعية من مياه وأرض وإنتاج الطعام وسلامة الغذاء والتخلص من النفايات واستعمال الطاقة والتأثيرات الصحية قصيرة وبعيدة المدى.
- صحيفة الأيام
- ي.ك

