ممكنات ما بعد وقف الحرب

ممكنات ما بعد وقف الحرب
تحسين يقين
10 فبراير 2024

ثمة انقسام سياسي وعسكري داخل دولة الاحتلال، لكنّ ثمة إجماعاً على الخلاص من عار الحرب، فإذا رفض نتنياهو شروط «حماس» الآن، فهو مضطر للتفاوض عليها.

المهم الآن، وقف الحرب على غزة، حتى لو كان مؤقتاً ضمن هدن نأمل جميعاً أن تقود إلى وقف كامل للغزو، لأنّ هذا هو الهدف الملح الآن، والذي يرتبط به تزويد الشعب هناك بحاجاته من جميع أنواع المساعدات الإنسانية. «خلي هالناس تتنفس هناك وربك بديرها».. هذا لسان حال الملايين.

على الرغم من خلو شروط حركة «حماس» على اتفاقية الإطار بباريس من حديث سياسي، باستثناء «وقف اقتحامات وعدوان المستوطنين الإسرائيليين على المسجد الأقصى، وعودة الأوضاع في المسجد الأقصى إلى ما كانت عليه قبل العام 2002، كون الحركة قد أطلقت على عملية السابع من أكتوبر/ تشرين الأول اسم «طوفان الأقصى»، إلا أنّ تأمل الشروط إنما يوحي بتهيئة حركة «حماس» للدخول بمفاوضات سياسية تشبه ما أقدمت عليه منظمة التحرير منذ أكثر من ثلاثة عقود.

ربما هذا افتراض متوسط المدى، لكنه ممكن، خاصة بدخول «حماس» النظام السياسي الرسمي مستقبلاً، أي منظمة التحرير.

هي إذاً تهدئة، أو وقف مؤقت لإطلاق النار باتجاه فعل سياسي ممكن، وإلا ما هو تفسير عبارة «هدوء تام ومستدام»، الواردة في شروط الحركة: وقف العمليات العسكرية تمهيداً لـ»هدوء تام ومستدام»، وانسحاب قوات الاحتلال حتى الغلاف؟

على الرغم من ربط «ضرورة البدء بمباحثات (غير مباشرة) بشأن المتطلّبات اللازمة لاستمرار وقف العمليات العسكرية المتبادلة، للعودة إلى حالة الهدوء التام والمتبادل بدخول المساعدات الكافية والإغاثة والإيواء»، إلا أن داخلها يكمن حديث سياسي، فلا إسرائيل ولا حركة «حماس» تريد العودة إلى المربع الأول، لأنه مربع قلق مربك قابل للانفجار كل حين. وعليه، فقد راحت حركة «حماس» تطالب بتحسين أوضاع الأسرى في سجون الاحتلال ورفع الإجراءات والعقوبات التي تمّ اتخاذها بعد 7/10/2023.

أما التأكيد على «إقرار خطّة إعمار البيوت والمنشآت الاقتصادية والمرافق العامّة التي دُمّرت بسبب العدوان، وجدولة عمليّة الإعمار في مدّة لا تتجاوز 3 سنوات»، فإنه تأكيد على ما نراه من عملية سياسية قادمة، لأنه في ظل الحروب السابقة على غزة، لم يتم فعلاً إعمار ما تخرّب بفعلها؛ ما يعني أن الحديث عن «خطة إعمار»، فعل سياسي.

باقي تفاصيل شروط حركة «حماس»، المتعلقة بـ»إعادة تزويد قطاع غزة بالوقود اللازم لإعادة تشغيل محطّة توليد الكهرباء وكل القطاعات، والتزام الاحتلال بتزويد غزة باحتياجاتها من الكهرباء والماء، وعودة النازحين إلى أماكن سكنهم في جميع مناطق القطاع، وضمان حرّية حركة السكان والمواطنين بكل وسائل النقل وعدم إعاقتها في جميع مناطق قطاع غزة، خاصّة من الجنوب إلى الشمال، والسفر إلى الخارج خاصة الجرحى، وإدخال المعدات الثقيلة، وتلبية حاجات السكان (500 شاحنة يومياً).. «إنما هي شروط إجرائية تستجيب للواقع الآن، وهو متقبل في ظل أي تهدئة تحقق صفقة تبادل الأسرى. وهي أمور تطالب بها الدول والمؤسسات.

أما مطالبة حركة «حماس» «بأن يكون الضامنون للاتفاق كلاً من مصر، وقطر، وتركيا، وروسيا، والأمم المتحدة، فهي مطالبة سياسية، مدركة أبعاد وجود تلك الدول جنباً إلى جنب مع المؤسسة الأممية، تلك التي تتعرض وكالتها لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) للضغوطات والحصار المالي.

والآن، ونحن بانتظار البدء بتنفيذ وقف النار على المدنيين، فإننا في الوقت الذي ننتظر البدء في الإغاثة والإيواء، وتطوير تقديم الخدمات للأهل هناك، بما فيها إمكانية إنقاذ العام الدراسي، حتى لا تضيع سنة دراسية على أطفال غزة، فإننا نعوّل على جميع من يهمه الأمر فعلاً، بدءاً بتقريب المسافات بين فصائل العمل الوطني والإسلامي، لدعم أي حكومة قائمة الآن، أو معدلة، تحقق مصلحة شعبنا العليا، لتقود فعل الإغاثة والإعمار.

من المهم في هذا السياق السياسي، المعوّل عليه البدء في مسار سياسي، منع سلطات الاحتلال من ارتكاب أي عقوبات جماعية بجميع أنواعها، ضد شعبنا، بما فيها العقوبات المالية.

غربياً: أميركيا ودولياً، ليس من المقبول التدليل الدائم لدولة الاحتلال، ولا بدّ فعلاً أن تحسم (إسرائيل الغربية) أمرها في تسوية الصراع، فإما حل الدولتين، بما يحقق ويلبي حاجة شعبنا وحقوقه، وإما حل الدولة الواحدة، وهو الحل الإستراتيجي الحقيقي الذي تكمن داخله حلول ذكية لقضايا الحل الدائم.

وغربياً أيضاً، على الغرب تعميق مدركاته السياسية أن فلسطين جزء من الأمة العربية، وشعبها جزء من الشعب العربي، ولا بد من الاستماع لأصوات الشعوب العربية، وليس فقط للحكومات فيها. كذلك، فإن هناك مجالاً الآن، للحل مع لبنان، وليس ذلك صعباً إن صفت نوايا إسرائيل ودول الغرب المتحالفة معها للأسف.

إن حل القضية الفلسطينية حلاً كريماً سيخفف من حالات الاصطفاف والتحالف، وسوف يبعد شبح الحروب عن الشرق الأوسط والعالم، لكن السؤال الصريح: هل فعلاً تريد الولايات المتحدة إحلال السلام العادل هنا؟

إن تأمل الخسارة التي تقدر ربما بعشرات المليارات، يجعل العالم يختار طرق صرف أخرى للمال، لأن جزءاً قليلاً من تلك الخسائر المالية كافية لإعمار البلاد، وتحقيق أهداف التنمية والسلام.

يمكن أن يستفيد الجميع من خصوبة الأرض، فثمة مجال لإطعام الجميع، وتدفئتهم، وإسعادهم، لكن ذلك يحتاج إلى تغيير في طرق التفكير، وهو أن إسعاد الناس يسعد كل الناس. لا نظن أن الشعوب ستظل صامتة على استمرار عذابات شعوب أخرى، منها شعبنا الفلسطيني.

ليس هناك الكثير من الكلام، بل فعل صفاء النوايا، وعلى رأس هذا الفعل تنفيذ حق تقرير مصير الشعب الفلسطيني، حفيد الحضارة الكنعانية المؤمنة بالأرض والزراعة والحياة.

الحل ممكن لهذا الصراع، وعلى كل من يهمه الأمر فعلاً، الدفع بهذا الاتجاه، ذلك أن اتجاهات الدول والحكومات والبرلمانات الممثلة للشعوب في العالم لها تأثير، ولعل تأمل أثر الحرب على غزة، على مجريات التحضير للانتخابات الأميركية بشكل خاص، تعني أن هناك أملاً بدعم الحلول السياسية، التي يمكن أن تنصف لأول مرة الشعب الفلسطيني؛ لأن إنصاف فلسطين، هو مدخل تحقيق سلام دائم ونهائي.

 

  • صحيفة الأيام
  • ي.ك