لن أخوض في تفاصيل الحالة السياسية للكيان الاحتلالي ما قبل السابع من أكتوبر. سأحاول التركيز عبر نقاط مختصرة حول السيناريوهات والخيارات أمام نتنياهو.
لا شك أن آثار الصدمة التي تركها السابع من أكتوبر على الاحتلال بقيادته ومواطنيه بأحزابه ومؤسساته الأمنية. دفعته إلى التخبط في اتخاذ قرارات اقل ما يقال عنها أنها ردّات فعل إنتقامية وليست إستراتيجية مدروسة. والتي انعكست بشكل مباشر على صعود حكومة الاحتلال على شجرة عالية
من الصعب أن تنزل عنها بمفردها. وهي تستجدي الآن شركائها بوضع سلم للنزول عن تلك الشجرة. وعدا عن ذلك تستجدي المقاومة عبر طرح مبادرات من طرفها للوصول لصفقة تحفظ ماء الوجه.
للوقوف على السيناريوهات والخيارات المتاحة والتي باتت بمجملها تشكل خسائر واضحة وهي بمثابة الاستسلام والخنوع:
١. خيار الاستمرار في العدوان:
لا شك أن انتقال جيش الاحتلال للمرحلة الثالثة (كما يسميها). هي بداية الهزيمة للعدوان البري. حيث أنها تعد جزءا من حرب استنزاف
طويلة الأمد. والتي يتكبد فيها جيش الاحتلال خسائر كبيرة بين صفوفه. وان التمركز في أماكن ثابتة. يشكل هدفا سهلا لصواريخ المقاومة.
وهذا ما حدث يو م أمس الإثنين حيث قتل أكثر من ٢٤ جنديا في حادثة واحدة هذا عدا عن الإصابات.
وبالتالي الاستمرار في هذه المرحلة
سيكبد الجيش خسائر يومية تزداد يوم بعد يوم.
٢. الحديث عن صفقات تبادل:
بالعودة إلى الهدف الرئيسي للمقاومة
لأحداث السابع من أكتوبر. هو خطف أكبر عدد من الرهائن ليتم تبادلهم بالأسرى داخل سجون الاحتلال.
إذا لا يمكن للمقاومة قبول أي صفقة لا تشمل إطلاق سراح كافة الأسرى. في المقابل يتهم نتنياهو بأنه وراء إطلاق سراح يحيى السن-وار قائد حركة حماس والمتهم الأول بالمسؤولية عن أحداث السابع من أكتوبر من سجون الاحتلال في صفقة الجندي جلاد شليط. فكيف سيقبل الشارع الإسرائيلي إطلاق سراح آلاف الس-نوار من السجون.
٣. خيار وقف العدوان:
من الشروط التي تتمسك بها المقاومة هي شرط وقف العدوان.
في المقابل كان نتنياهو ومجلس الحرب كان قد حدد هدف شن حرب شاملة على قطاع غزة لإنهاء حركة حماس سياسيا وعسكريا. وبدأت هذه المرحلة بالقصف والغارات الجوية والبحرية ووصلت ذروتها في الاجتياح البري. الآن وبعد ١٠٩ أيام من الحرب. لم يستطع جيش الاحتلال من حسم المعركة البرية.
لا من خلال تدمير القوة العسكرية ولا السياسية لحركة حماس. لذلك قبوله مبدأ وقف الحرب هو بمثابة استسلام واعتراف بالفشل.
٤. تشديد الخناق على قيادة حماس
عبر الاستمرار في الحرب البرية لإجبارها على القبول بصفقة سهلة يستطيع نتنياهو قبولها. باعترافات قادة امنيين ومحللين عسكريين . أن هناك تناقض واضح بين هدفي تشديد الخناق على المقاومة وتحرير الرهائن. حتى أن البعض تحدث عن استحالة تحقيق الهدفين معا. وأن كل يوم يمر يشكل خطورة أكبر على الرهائن. لذلك بدأنا نسمع مؤخرا بمبادرات يقودها رئيس الموساد “دادي برنيع” بتوجيهات من قبل نتنياهو للبحث عن مخرج بالسرعة الممكنة في ظل الضغوطات التالية:
أ. ضغوطات أهالي الرهائن والتي تصاعدت مؤخرا. ووصلت ذروتها خلال الأيام الماضية إلى الاعتصام الدائم أمام مقار إقامة نتنياهو في قيسارية وشارع غزة في القدس. وكذلك تصاعد في الشعارات التي يطرحها أهالي الرهائن كالمطالبة باستقالة الحكومة. واتهام نتنياهو بأنه بإهماله قضيتهم سيعرض الرهائن للقتل. وشعار وقف الحرب الآن، وآخر هذه الشعارات ما كتب على لافتات صباح اليوم بأن أيدي الحكومة ملوثة بالدماء.
ب. في المقابل وبعد ١٠٩ أيام من العدوان وسقوط أكثر من ٥٣٠ قتيلًا من الجنود يطالب أهالي الجنود الحكومة بعدم وقف الحرب. بعد أن دفع أبنائهم إلى حرب خاسرة في قطاع غزة.
ج. الضغوطات التي تمارس على الحكومة من قبل رؤساء المستوطنات في غلاف غزة والشمال. بعد إجلاء أكثر من ٢٠٠٠٠٠ من منازلهم منذ السابع من أكتوبر. حيث أن الحكومة فشلت فشلا كبيرا في إجراءات الاستيعاب والدعم المالي للمتضررين على مستوى أصحاب الشركات والمصانع والمزارع.
د. الضغوطات من قبل المعارضة: جرت العادة أن المعارضة تقف إلى جانب الحكومة خلال الحروب التي
خاضها جيش الاحتلال. لكن وفي سابقة لم تحصل منذ إعلان قيام دولة الاحتلال. تعالن أصوات المعارضة كالمطالبة باستقالة الحكومة. وإجراء انتخابات، وكانت ذروتها يوم أمس حينما قدم حزب العمل قرار لسحب الثقة بالحكومة والذي أسقط بانسحاب أعضاء الحكومة من جلسة الكنيست.
ه. الضغوطات التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية:
بالرغم من شراكة أمريكا الفعلية في هذا العدوان والدعم بالعتاد والاموال لحكومة الاحتلال، إلا أن عدم انصياع نتنياهو لمطالب بأيدين المتكررة تحت الضغوطات
لتحديد موقف لمرحلة ما بعد الحرب ورفضه الإعلان عن قبوله بحل الدولتين، بدأت أمريكا بالإعلان عن هذه الخلافات بشكل علني. للضغط على حكومة نتنياهو. علما أن الولايات المتحدة و”بايدين” بشكل خاص والحزب الديمقراطي بدأ يفقد مصداقيته داخليا وخارجيا. وخاصة أن الانتخابات الأمريكية باتت على الأبواب.
ه. الضغوطات على الجبهة الشمالية:
لا شك أن الجبهة الشمالية ومنذ بداية العدوان على قطاع غزة. كانت وما تزال تشكل ضغطا كبيرا على حكومة الاحتلال. رغم أنها سارت على وتيرة واحدة متفق عليها بين الطرفين ضمنيا (يحكمها قوة الردع لدى الطرفين. والمصلحة المتبادل بعدم التصعيد).
هناك محاولات لغاية الآن يائسة من قبل الاحتلال لحل الموضوع دبلوماسياً من خلال الضغوطات التي مارستها الدول الغربية والولايات المتحدة على الحكومة اللبنانية بشكل عام وعلى حزب الله بشكل خاص، وفي المقابل جيش الاحتلال وحكومته تهدد بشكل يومي تدمير لبنان كما حصل في قطاع غزة. ونشهد تصاعدا في جرأة عمليات الاغتيالات في العمق اللبناني من قبل جيش الاحتلال. كل ذلك في ظل ضغوطات رؤساء مجالس المستعمرات المحاذية للحدود اللبنانية. واتهاماتهم الحكومة والجيش بالتخلي عنهم.
و. التخوف من فتح جبهات جديدة وتصاعد في الجبهات الحالية:
لا شك أن إطلاق الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة باتجاه الأراضي المحتلة وخاصة (إيلات). ومهاجمة السفن المتجهة نحو الموانئ التابعة للاحتلال. شكلت جبهة ضغط كبيرة حتى أنها باتت مقلقة على المستوى العالمي. من خلال السيطرة على حركة السفن عبر مضيق باب المندب. هذا بالإضافة إلى تضامن الجبهة العراقية والتي تستهدف بشكل مباشر المعسكرات الأمريكية في العراق وسوريا بصفتها الداعم والمشارك في الحرب على غزة. بالإضافة إلى إطلاق صواريخ ومسيرات من الأراضي العراقية وايضا السورية باتجاه المستعمرات الإسرائيلية.
ز. توجه حكومة جنوب إفريقيا بدعوى ضد حكومة الاحتلال بارتكابها جريمة إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني:
بصفة المحكمة الدولية جزء من منظمات الأمم المتحدة. هي ليست جهة تنفيذية. قراراتها ترفع إلى مجلس الأمن على شكل توصية لإقرارها. بما أن الدعوى المقدمة هي اتهام دولة إسرائيل بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية. وبما أن الحرب ما زالت مستمرة على قطاع غزة من المتوقع أن تتراوح قرارات المحكمة
بين التوصية والمطالبة بمضاعفة إدخال المعونات الإنسانية. وإعادة السكان من جنوب القطاع إلى منازلهم في الشمال. وفي حال اقتناع المحكمة أن استمرار الحرب يشكل فعلا مؤشرا حول إبادة جماعية ربما توصي المحكمة بقرار وقف الحرب.
هذا القرار يحول إلى مجلس الأمن للتصويت عليه
وفي حال مرور القرار في مجلس الأمن يصبح نافذا بإيقاف الحرب. (هناك احتمال كبير باستخدام الولايات المتحدة الأمريكية الفيتو لإسقاط القرار).
وفي ظل ما تم عرضه سابقا يتضح جليًا أن نتنياهو بشكل خاص وحكومته بشكل عام أمام خيارات صعبة. وكلاها محكوم بالخسارة. على نتنياهو وفي ظل كل الضغوطات أن يختار الخيار الأقل سوءا.
وحسب تقديري الشخصي أن الخيار الذي سيختاره هو الاستمرار بحرب استنزاف طويلة الأمد قد تستغرق عدة سنوات من منطلق تفضيله مصالحه الشخصية على المصلحة العامة بالحفاظ على منصبه كرئيس للحكومة. والتهرب من إجباره على الاستقالة. او إجراء انتخابات خاسرة تطيح به من رئاسة الحكومة.
- ي.ك

