رسالتي إلى النساء في قطاع غزة

رسالتي إلى النساء في قطاع غزة
ريما كتانة نزال
22 يناير 2024

الرسالة، قد تقرؤها زينب أو هبة وآمال وأمل وناهد، وقد تذهب إلى عربية ومها ومريم وفاطمة وناديا ودنيا ورندا ومنى واعتدال ووفاء وعهد.

ولدي صديقات ورفيقات درب تتمدد أسماؤهن على حروف الأبجدية، أعرف أين ذهبت الحرب المجنونة ببعضهن، ولا أعرف أيّ مصير صادفنه الأخريات، في البيوت والخيام والملاجئ وعلى الطرق والمستشفيات.. جميعهن ضحايا متشابهات سيصبحن أرقاماً يُعتدّ بها في الخطابات والوثائق.

إلى امرأة من غزة: رسالتي تخشى توجيه الأسئلة الحارقة ذات الإجابات اللاسعة، ستبحث عن سؤال متطرف لمظلومية الرواية، قد لا تعجب من يضع الحواجز بين سؤال المقاومة وسؤال الحياة، رغم علاقتهما الوثيقة في نظر البعض، فإنهما في عراك مستمر، لأن النضال التحرري لا يصل إلى أهدافه ومبتغاه سريعاً، دون الغرق في مقارنات بين حالات وسياقات مختلفة، فقد استغرق نضال الجزائر نحو مئة وثلاثين عاماً قبل أن يحصل شعبها على حريته، بينما تم تفكيك نظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا بعد 66 سنة من فرضه على يد بريطانيا بقرار دولي، قيمي وأخلاقي.

سأخاطب حالنا جميعاً: لقد حوّل نظام الاستعمار والفصل العنصري النساء في فلسطين وخاصة في غزة إلى ضحايا متماثلات، أرقام بلا أسماء، غير معترف بهن في أعراف هدف الإبادة، متشابهات في تطابق أحلامهن ورؤاهن ونظرتهن لأنفسهن وأدوارهن.

لقد تماثلت المعاناة وتوحّدت الأجساد دون شروط أو وجهات نظر في سياق جرائم الإبادة الجماعية، يوحدهن الذنب وتوحّدهن الهوية، أيّاً كانت محفزاتهن ودوافعهن الفكرية والسياسية، وكيفما كانت البدايات التي لا تستقيم مع البدايات.

أسئلتي وسؤالي عن الجميع؛ لأنهن في تداعيات الحرب وانعكاساتها صديقاتي الحميمات، يجمعنا سقف الاحتلال وحدوده. ولأنهن رأين عيون العدو وهو يهمُّ بقتلهن واعتقالهن أو يستعد لقتل أطفالهن وتمزيق أحلامهن، لأنهن من تفجرت عيونهن قرب الهاوية عينها في يوم النكبة، ويُتوقَّعُ منهن تحمّل الخسائر الفادحة والتزام الصمت، لأنهن قمعن أوجاعهن ودفعنها عميقاً إلى دواخلهن، إلى حين.

أوجّه رسالتي إلى مئة واثنتين وأربعين أسيرة، خُطفن من شوارع غزة أثناء تنقلهن من مكان إلى آخر أكثر خطورة، إثر إخطارات وبلاغات أصابها الملل فنقلت موقع التصوير إلى موقع جديد لالتقاط مشهد مطاردة الكلاب البوليسية للرعب الجماعي في فيلم الإبادة الجماعية وسيناريو البذاءة.

أوجّه رسالتي إلى اللاجئات اللواتي تكرر لجوؤهن وأوجاعهن، فثمة نساء نُكِئت جراحهن أكثر من مرة، ثمة نساء هبطت جدران منازلهن أول مرة، فنزحن وسكنَّ في خيمة، وثمة لاجئة وضعت وليدها في خيمة، وبقيت واقفة كأنها سهم يستعد للانطلاق في وجه العالم.

ستكون الرسالة إلى أرملة، من تعرف المعنى الحقيقي للفقد. لا تقف قرب قشور المعنى وسطحه، بل تدخل في حلقاته ومتاهاته، معنى صغير يختبئ في معنى أكبر، اختبرت معاني الفقد من قوالب وأحجام وقياسات، وتتسع لمعاني أبناء أيتام وأمهات ثكالى.

أيتها الصديقات: الاحتلال لا يرى في أجساد الفلسطينيات سوى استحقاق الموت، ويواجهُهن بمنظومة وأدوات القهر والإبادة، فالاحتلال ينظر في عيون الضحايا، وينظر إلى البؤس والجوع والمرض كأدوات وعناصر الانتصار، ولن يتوقف عن ممارسة هوايته حتى نقوم جميعاً بوقفه..

أيتها الصديقات الناجيات من المجزرة: ستحملن رسالتي لكنّ معها أحزاناً من قلب جروح غائرة، تطل وتعلن عن نفسها كلما تسنت لها الفرصة للظهور على الملامح، على أمل أن يكون الجرح الأخير في نهاية سطر الاندمال، على أمل أن تمر الأيام لتجعله أثراً بعد عيْن.

أيتها الناجيات ستقرأن رسالتي رغم الوقت الضيق الذي لم يتسع للحزن على الشهداء وإعداد جنازة تليق بهم أو لبس السواد. لم يتسع الوقت لطقوس الوداع الفلسطيني، ولم يتسع المجال للزغاريد، ورُتب له بما يتاح من إهالة بعض التراب على وجه السرعة، غير ذلك.. سيكون أحد أشكال الترف الذي لا تستطعن تحمل كُلفته، وضعتن نقطة في نهاية الحزن، إلى حين.

أيتها الناجيات من الموت: ستضعن النقاط في نهاية سطور الصمت والحزن، قد تكون النقطة إيذاناً بالتوقف عن الإسراف في اجترار الآلام وأوجاع القلوب الرقيقة، حكمة موروثة نعرفها تماماً. جعلتن من النقطة درعاً قوية بأيديكم، تتكئون عليها لوقف كل ما يتعب القلب ويعزله عمّا لا يمكن احتماله إلى حين التقاط بعض الأنفاس.

 

  • صحيفة الايام
  • ي.ك