قيل قديماً أنّ السياسي يتكلّم بالشِعر ولكنه يحكم بالنثر، فقد كان إعلان الاستقلال من قِبل القائد ياسر عرفات ذات معنى ومغزى ورمزية كبيرة حينها، أعطى دافعًا قويًا للفلسطينيين، ومازالَ صدى كلماته يتردد بعد 35 عامًا.
ولكن.. في ظلّ حرب الإبادة الحالية عن أيّ استقلالٍ نتحدّث وعشرات الآلاف من أبناء شعبنا شهداء وجرحى، عن أيّ استقلال نتحدّث ويتكرر التهجير القسري تحت القصف والمجازر في غزة، عن أيِّ استقلال نتحدّث ومئات الشهداء في الضفة الغربية وقوات الاحتلال تستبيحها بطولها وعرضها، كأنّ الحكومة تقول: لا أرى ولا أسمع، وإذا رأيت وسمعت سأدين وأشجب وأطالب. الحكومة ليست مطالبة أن “تطالب” بل أن “تفعل”، وإذا لم يكن بمقدورها أن تفعل فلماذا تجتمع وتقرر.
قررت الحكومة الاستقلال في وقتٍ تدمّر فيه قوات الاحتلال قطاع غزة وتبيد شعبنا هناك، وقواتٍ أخرى تجتاح مدن الضفة وتعتقل، والمستوطنين يعربدون في الشوارع دونَ رقيب، لا بل بحماية قوات الاحتلال.
لا نختلف على أنّ الحكومة في واد والشعب في واد، هذا منذ زمن طويل، فكلنا نشعر بأنّ قرارات الحكومة بعيدة جداً عن واقع الشعب، حتى أنّ المنطق نفسه لا يستطيع فهمها أحياناً، فكم بالحريّ بالشخص العادي، ولكن حتى في الحرب تستمر الحكومة في اتخاذ قراراتها “الحكيمة”.
عندما بدأت الحرب على أوكرانيا خلعَ رئيسها بدلته الرسمية ولبسَ لباسَ الجيش كأنّه مقاتلٌ، وجاب العالم بوجهٍ غاضب (على الأقل هذا ما نشاهده على التلفاز)، أما نحن فنستقبل المعتدين على شعبنا بابتسامة (وطبطبة على الظهر)، وحكومة لا تعرف أين هي ولا نعرف أين هم وزراؤها من هذه الحرب، يقررون عطلة الاستقلال وهم ذاتهم لا يستطيعون الوصول إلى اجتماع مجلس الوزراء إذا أغلقت المجندة الحاجز.
ماذا يُفيد البكاء على الهواء!!!! وشعبنا يُباد وهو يقول: “فداءً للوطن”، حتى الطفل لم يبكي بهذه السهولة التي بكى فيها رئيس الوزراء وبعض أعضاء حكومته، هذه الحكومة غير القادرة على إيصال شربة ماء، أو لتر دم، أو حتى حفنة طحين لأبناء غزة وتتحدّث عن الاستقلال. حكومة تُطالب العالم بحماية شعبنا وتتحدّث عن الاستقلال، وإذا رفضت أموال المقاصة تعلنه خبراً كبيراً عريضاً على وسائل الإعلام كأنّه إنجازٌ يسجّل لها ويُضاف إلى سجلّ الانجازات الحافل في مقاومة الاحتلال. هذه
الحكومة التي لا تستطيع دفع الرواتب إلا بعد تحويل أموال المقاصة، وتتحدّث عن الاستقلال.
عن أيّ استقلال نتحدّث والشوارع أغلقها الاحتلال دون قدرتنا على مسّ ذرّة تراب منها، او حلحلة الحجر سم واحد فقط، لا نتحكّم بالسماء أو الماء أو الأرض، حتى أنّ الوصول إلى البيت يتحكّم فيه الاحتلال.
كلّ الاحترام للأجهزة الأمنية التي تقوم بدورها، فهي في كثير من الأحيان تعرّض نفسها للخطر، لا بل يُستشهد أفراداً أثناء تأدية عملهم، ولكن اللوم على متّخذ القرار.
كان بالأحرى على الحكومة، برئيسها وأعضائها، أن يذهبوا إلى معبر رفح ويدخلوا إلى غزة، أليست غزة فلسطين؟ ومن هناك يقفون مع شعبهم. أليس الوزراء جزءاً من الشعب؟ روؤساء مؤسسات دولية ذهبوا إلى رفح ووقفوا على المعبر وأعلنوا على الهواء مباشرة ضرورة حماية شعبنا، وحكومتنا هنا تقرر عطلة للاستقلال.
غزّة معناها الشجاعة والصمود، غزة هي التي تُعطي الاستقلال، غزة هي التي تُقرر، وعندما يتحدّث طفلٌ من غزة صدقاً فإنّ المستمعين له حولَ العالم أكثر من المستمعين لرئيس الوزراء عندما يتحدّث، أتدرون لماذا؟ لأنّ الطفل الفلسطيني يُحدث ضجيجياً وحديثه واقعي بعيدٌ كلّ البعد عن الخطابات والقرارات الوردية للحكومة.
حكومتنا تحكي قصيدةً، وتحكم بالشِعر، وتذرف الدموع مباشرةً، وتترك الشعب بين السطور يُباد عن بكِرة أبيه، وهي هنا تقرر عطلة عيد الاستقلال.
- راديو بيت لحم 2000
- ي.ك

