قد يتغير أي شيء بقرار تتخذه بنفسك ويخص حياتك، فتتحامل على نفسك وتكمل طريقك وأنت مقتنع أن هذا قرارك، لكن كيف سوف تمضي وتكمل حياتك بقرار من الطبيعة/ حيث تجد نفسك فجأة في العراء وقد فقدت أحبة وبيتاً وغطاء وكساء وكل ما تملك، وتلتفت حولك وتقف خالي الوفاض إلا من دموعك؟
أوجعَت قلوبنا بالفعل المناظر الأخيرة لزلزال المغرب والفيضانات التي اجتاحت عدة مناطق من ليبيا، ورأينا من خلال الشاشات ما يشيب له الولدان، فالطبيعة غاضبة ولا تتوقف عن الإعلان عن غضبها، والموت ينشر رائحته ويبث أجنحته في كل مكان ولا يترك صغيراً ولا كبيراً، ولا يبقي على شجر ولا حجر، ويمضي متحمساً ولا يلتفت للضحايا وراء ظهره، ويتركنا نتألم ونتوجع، فما بال من عاشوا المصيبة والكارثة وممن وجدوا انفسهم في وسط هذا الغضب، ورأوا أحبتهم يموتون ويغرقون أو يتوهون، ورأوا أنفسهم مصابين أو جرحى، وشعروا بالموت يقترب منهم ولا مفر ولا فرار منه؟
الأحداث الأخيرة التي ضربت المغرب وليبيا مؤلمة لدرجة لا يمكن وصفها، ولا يمكن أن تضعك في موقف المتخيل، لأنك تعتصر ألماً وحزناً على الضحايا وعلى الصغار والكبار وترى كيف تنهار البيوت العالية والسقوف المتينة وتتصدع الشوارع والكباري وتقع الأشجار وتجرف المياه أمامها كل وجوه الحياة، وهكذا تنقلب كل الموازين والعائلة تصبح مشتتة والعصبة تصبح فرداً والأحبة يصبحون في بعاد وفراق.
ليس هناك أقسى من غضب الطبيعة الذي يأتي فجأة وبلا سابق إنذار، حتى أن أي علاقة أو مشكلة تكون لها مقدمات، ولو كان شجاراً بين شخصين فلا بد أن يتلاسنا قليلاً ثم يشتبكا بالأيدي، ولذلك فأنت تتوقع الإصابات والجروح وفي أقسى التوقعات فقد يقتل أحدهما الآخر، أو قد تفرق الشرطة بينهما وتنقطع كل مودة ومحبة بينهما، أما أن تنام ولا تستيقظ أو تجد نفسك وحيداً وخائفاً وضائعاً وجائعاً ومبتلاً وفاقداً، وكل المشاعر الموجعة التي لا يطيقها معظم البشر فهذا ما لا يطاق وبمجرد التخيل.
أنت اليوم تشاهد كل هذا من خلال الشاشات وتطلب الصبر للضحايا وتذرف الدموع أمام جثث الموتى، ويبكيك أكثر حين ينتشلون جثة أم قد فارقت الحياة ويعثرون تحتها على رضيعة تبكي وقد تشبثت بالجسد الميت، ويبدو أن هذا الجسد قد حاول حمايتها حتى آخر لحظة، وحتى آخر نفس.
تشعر أنك بحاجة لأن تسافر وتذهب هناك وحين تنفعل أكثر تعرف أن ذلك ضرب من المستحيل، لذلك فأنت تتقوقع على نفسك وتطلب الصبر والسلوان والرحمة لكل هؤلاء الضحايا الراحلين والباقين، وينتزعك خوفك على أحبتك من الدعاء، وتكتشف كم هي قاسية الحياة حين تتبدل في لحظة، وحين يتغير كل شيء حين تغضب الطبيعة، وغضبها ليس له رجعة فثورة الغضب لا تعني سوى الدمار والخراب، ولا يمكن أن تهدأ إلا حين تترك آلاف القصص والحكايات المحزنة التي سوف تتناقلها وسائل الإعلام طويلاً، وسوف يتناقلها الرفاق والصحاب ثم ينغمسون في الشأن اليومي، ويحاولون النسيان والمحاولة صعبة لكنهم يتوصلون لنتيجة أن لا أحد بعيد أن يعيش كل هذا في لحظة، فكل يوم تصبح منطقة غير متوقعة حديث الأخبار، وكل يوم نصحو على فواجع الزلازل والفيضانات والبراكين، ولكن الكرة الأرضية ضخمة وواسعة وممتدة، ولذلك فأنت لا تهتم إلا بالأقرب والأقرب وليس معنى ذلك أنك لا تتوجع؛ لكنك حين لا تهتم كثيراً فأنت ترأف بنفسك من أمر خارق غير متوقع قد يقلب حياتك في لحظة ولا تستطيع أن تفعل شيئاً أمامه لأنه يحمل اسماً كبيراً هو الغضب.
- صحيفة الايام
- ي.ك

