لتلك الرائحة ذاكرة جميلة في روحي، رائحة دم مجبول بالغبار والعرق والأسمنت يبزغ خفيفاً من إصبعي بفعل مسمار ضل طريقه من الخشب الى يدي، كنت منهم في زمان بعيد.
لا أجمل من أن تجلس في صباح مبكر في سيارة (فورد) ممتلئة بشكل غير قانوني بعمال المخيم شباناً وكهولاً، الذاهبين الى ورشات البناء المتوزعة في رام الله وخارجها، لا أجمل من أن تقيم عشر دقائق في سعالهم الخشن ونظراتهم المتشككة وقهوتهم التي يندلق نصفها على أفخاذهم، ودخان سجائرهم الوقح ونكاتهم التي لا تضحكني لكنها تقوّيني وتقوّيهم، في أحضانهم يستقر طعامهم في أكياس سوداء، وفي حضني تستقر كتبي في حقيبة سوداء. كنت منهم في زمان بعيد، كنت منهم.
أهبط من السيارة، وتهبط معي رائحة الباطون المتجمد في ملابسهم.
عشر دقائق مع رائحة العمال، مع رائحتي التي استرجعتها بعد طول كتب ومقاهٍ ومدن. كنت منهم في زمان بعيد، كنت منهم.
في البيت أجلس الآن مع ضيفين عزيزين: رائحتي القديمة، وقهوتي.
كنت منهم في زمان بعيد، كنت منهم.
- صحيفة الأيام
- ي.ك

