معادلة.. “لك يا منازل في القلوب منازل”.. والبيت هو الوطن

معادلة.. "لك يا منازل في القلوب منازل".. والبيت هو الوطن
حمدي فراج
11 يوليو 2023

لم يتبق الكثير على قيد الحياة من اللاجئين الذين اجبروا على ترك منازلهم في عام النكبة ، و الذي ولد في ذلك العام يبلغ اليوم من العمر خمسة و سبعين سنة ، و بالتالي فإنه لا يتذكر شيئا عن ذلك الرحيل القصري ، لكنه بالتأكيد يحفظ ما سمعه من الاباء والاجداد عن ذلك الرحيل الذي صاحبه كل ذلك الألم المترتب عن الحنين السرمدي الذي رافقهم طوال حياتهم .

نسوق ذلك لما ذكره وزير الحكم المحلي في السلطة من ان “عشرين عائلة في مخيم جنين لم تتمكن بعد من العودة الى منازلها التي لم تعد صالحة للسكن” ، ولا أعرف كيف صعدت الى رأسي ذكريات جدي عندما قرأت تصريح الوزير من انه خلال أسبوعين ستستوفي اللجنة القائمة على الاعمار اعمالها ، كان جدي يعيد ما يسمعه عبر إذاعة لندن من ان عودته الى بيته ستتم خلال الأسبوع القادم ، ثم خلال الشهر القادم ثم العام القادم ، حتى لم يعد يصدق ، و مات قبل ان يتحقق حلمه بالعودة ، و مات بعده ابي الذي لم يكن على نفس سذاجة جدي بتصديق أكاذيب زعماء العرب و العالم و الأمم المتحدة ووكالة الغوث .

عودوا الى منازلكم . الحديث موجه الى العائلات العشرين من مخيم جنين ، على الرغم من انهم لاجئون ينتظرون عودتهم في المخيم / المحطة ، و على الرغم من ان المقارنة ليست متقاربة بين نكبة شعب و نكبة مخيم ، فإنني ادعوهم ان يعودوا الى منازلهم وهي مهدمة و مردمة ، عودوا وانصبوا امامها خيام من الصليب الأحمر او الأخضر او حتى من الوكالة ، فقدرنا على ما يبدو ان نظل اسرى هذه المنظمات و هذه الخيام ، لا تقايضوا بقاءكم في فندق خمس نجوم ، بأنقاض البيت المهدم و المردم ، حيث تفوق فرحة العودة اليه ترف النوم في فندق ، فهنا لكم حاضر و مستقبل ، ذلك ان ذكرياتكم هنا ، و افراحكم هنا وآلامكم هنا ، و نضالكم هنا . اياكم ان تثقوا بأحد من السلطة او المعارضة او المستقلين ، فهؤلاء على الاغلب يبيعونكم بضاعة الآخرين التي يشترونها مجانا من الدول الاخرى . في الانتفاضة الثانية ، وافقت السلطة على ابعاد 39 من محاصري كنيسة المهد ابعادا مؤقتا لمدة سنة واحدة ، و ها هم تأبدوا في الابعاد ، وان بعضهم بدأ في مفارقة الحياة قبل ان تسمح له إسرائيل بالعودة الى مسقط رأسه حيا و لا حتى ميتا .

لا تستبعدوا ان يذهب البعض الى ما هو ابعد من ذلك ، كالاتجار في قضيتكم و غربتكم و تشردكم و ما تبقى من بيوتكم ، وجمع التبرعات في المساجد و ربما خصومات من الرواتب ، كتلك التي نظمت اكثر من مرة لإغاثة المنكوبين في قطاع غزة ، و ما زال الكثيرين منهم بدون منازل . والاهم ان لا تنظروا اليها على انها “قفارا” ، لأنها بدورها ستنظر اليكم كذلك . وهذا ما اعتقده الشاعر المعاصر جورج جرداق حين قال : وديار كانت قديما ديارا ، سترانا كما نراها قفارا ، لكن المتنبي قبل ما يزيد عن الف سنة قال : لك يا منازل في القلوب منازل / أَقفَرتِ أَنتِ وَهُنَّ مِنكِ أَواهِلُ .

  • صحيفة القدس
  • ي.ك