كل كاتب ناشئ أو غير ناشئ عليه أن يقرأ هذا الكتاب (تباريح العيش وسيرة الشباب) للكاتب الأميركي الشهير (بول أوستر) وترجمة: محمد الفحايم، الكتاب صادر عن دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع في عمّان العام 2022.
هذا الكتاب من ضمن ملتهماتي التي مضغتها بهدوء ومتعة في الأيام الثلاثة الأخيرة، أحب (بول أوستر) كثيراً، قرأت معظم كتبه المترجمة، تشدني سيرته الذاتية التي توزعت على عديد من كتبه، من أشهرها: اختراع العزلة، والذاكرة.
أحب (بول أوستر) الطويل القامة، صاحب العشرات من الروايات التي أدهشت العالم، المعارض لحرب فيتنام قديماً، والمتخذ موقفاً مشرفا من القضية الفلسطينية، اليهودي غير الصهيوني النيويوركي العالمي، في هذا الكتاب (تباريح العيش وسيرة الشباب) هناك عنوان واحد هو: المال والكتابة، يتحدّث (بول أوستر) هنا عن بداياته في الكتابة، وعن اعتناقه لعقيدة ترك المجتمع، وترك المؤسسات لصالح العزلة ونقاء الأحاسيس والابتعاد عن كل شيء والكتابة، كم تشبه تجربته تجربة حسين البرغوثي!
هل هناك تعارض بين الكتابة والحياة والمال والمؤسسات والمجتمع؟ هل يستطيع الكاتب أن يتخلّى عن العالم لصالح الكتابة؟ أليس بالإمكان أن تكون كاتباً ناجحاً وشريفاً ونزيهاً وفي ذات اللحظة اجتماعياً ومنخرطاً في الشأن العام؟
هل يستطيع الكاتب أن يبدأ حياته الأدبية دون مال؟ هل هناك كاتب مشهور في هذا العالم لم يتم ازدراؤه والسخرية منه، ورفضه في بداية حياته الأدبية؟ هل يستطيع الكاتب أن يصل إلى التفوق والشهرة بسرعة دون أن يصل إلى مراحل يحس فيها أنه في الدرك الأسفل؟
هل نستطيع أن نبرر للكاتب في بداياته الأدبية مجاملاته، ونفاقه وتملّقه للمجتمع والشخصيات الغنية، والمؤسسات الفاخرة؟
هذه الأسئلة يناقشها (بول أوستر) في سيرته الذاتية بطريقة
طريفة وودودة وصريحة جداً، عمل في مهن كثيرة قبل أن يصبح مشهوراً، كتب مسرحيات فاشلة، وقصائد عديدة لم تثر انتباه أحد، سافر إلى المكسيك؛ ليكتب رواية باسم سيدة غنية هناك، لكنه فشل في ذلك، وعاد إلى وطنه مكسوراً، حاول أن يدخل حقل رجال الأعمال، اخترع لعبة (بيسبول) إلكترونية، وحاول أن يسوقها في أميركا، لكنه فشل فشلاً ذريعاً.
تحدّث (بول أوستر) عن كثير من الكتّاب الذين ساندوه ودعموه، وعن زوج أمه، ذلك الشخص الجذاب الساحر الذي حاول بكل جهده أن يساعده، وأن يأخذ بيده، وتحدّث أيضاً عن زواجه الثاني ويقول: هناك في بداية تلك المرحلة مع زوجته الكاتبة، بدأ حياة جديدة، وبدأ مرحلة عزيزة على قلبه، بُني عليها كثير من النجاحات والإبداعات.
يتحدّث (بول أوستر) كثيراً عن ترجماته للأدب الفرنسي للغة الإنجليزية، ويقول إن هذه الترجمات هي التي أنقذت حياته مالياً في مراحل عديدة.
هذا كتاب خسارات بامتياز جميل، اعتراف بالخيبات، وسرد للألم الكثير الذي كان يتقطّع فيه (بول أوستر) لحماً وروحاً، انتهت مرحلة العذاب لـ (بول أوستر) مع زواجه الثاني من زوجته الكاتبة المعروفة، وقفت إلى جانبه، وساندته على كافة المستويات، وما زالت تفعل ذلك في إصابته الأخيرة بالسرطان، ويسرد (بول أوستر) ممتناً أسماء عديدة ساندته، ووقفت إلى جانبه منها (جيمس ميريل) شاعر أميركي حائز على جوائز عدة منها جائزة (البولتيزر) العام 1977م، و(جون واين) ممثل ومخرج ومنتج أميركي، و(ليديا ديفيس) قاصة وروائية وأستاذة جامعية، و(جون لنون) موسيقي ومؤلف وملحن وعازف على الجيتار وكاتب بريطاني مؤسس المجموعة العالمية (البتلز)، و(مارك شاغال) من أشهر الرسامين الذين أقاموا في فرنسا في القرن العشرين إلى جانب (بابلو بيكاسو).
(بول أوستر) مازال يعيش في نيويورك مع زوجته العظيمة، مريضاً منهكاً من سرطان دهمه قبل سنة.
هذا كتاب لطيف علمني الكثير، وفتح أمامي آفاقاً عديدة، وعزّز عندي قناعتي السابقة بأن الدرك الأسفل يقترب من أن يكون ضرورياً جداً في بداية حياة الكاتب، وأنه يجب ألا يحبطه، أو يوقفه عن أحلامه، أو أن يكسر روحه.
شكراً لوجودك في عالمنا (بول أوستر)، وشافاك الله؛ لتعود إلينا تكتب حال هذا العالم بؤساً وأملاً، حرائق وآمالاً.
- صحيفة الأيام
- ي.ك

