أسبوع كامل مضى على العدوان الهمجي المبَيت على بلدة حوارة إلى الجنوب من مدينة نابلس. وهو عدوان غير المسبوق منذ أحداث النكبة الفلسطينية في العامين 1947-48، لا في حجمه، ولا في الوسائل التي استخدمت فيه. وبطبيعة الحال فإن هذا الحدث المفصلي جاء بمثابة تتويج لسلسلة غير منقطعة من الهجمات الإرهابية التي شهدت في السنوات العشر الأخيرة تصاعدا نوعيا وكميا طال كل ناحية في الضفة الغربية، وبخاصة في مناطق الخليل ونابلس والقدس.
إن أي متابع لوتيرة العنف والإرهاب الذي يمارسه المستوطنون في الضفة الغربية في السنوات العشر الأخيرة على وجه الخصوص، لا يمكنه إلا أن يستنتج بأن محرقة حوارة كانت مسألة وقت لا أكثر، وبأنها لن تكون الأخيرة أو الوحيدة.
سأتوقف عند التوصيف قليلا قبل تقديم قراءة سياقية لما حصل في حوارة الأسبوع المنصرم: إن تعبير محرقة الوارد هنا لا يقصد به تشبيه ما حصل بالهولوكوست، ليس لكي أدفع عن نفسي “شبهة” مساواة المحرقة النازية أو “البوغرومز” بما يحصل للفلسطينيين على أيدي ضحايا هذه المحارق من اليهود الصهاينة.
ولعل من لجأ إلى هذا التوصيف أراد من وراءه إثارة هذا البعد الأخلاقي للتاريخ، والذي يظهر جليا مقدار الانحطاط الأخلاقي للصهيونية، وبخاصة عند أجنحتها القومية-الدينية الفاشية. لكنني أجد أن جوهر الإرهاب اليهودي-الصهيوني ضد الفلسطينيين له خصوصيته، بل تفرده إذا ما أخذنا بالاعتبار عوامل تاريخ الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وحاضر النظام الدولي ووضع “إسرائيل” فيه.
وأرى بأن تكرار استخدام المفردات ذات الصلة بالهولوكوست وتاريخ عذابات اليهود في أوروبا لتوصيف الحالة الفلسطينية من شأنه أن يصرف النظر عن مسألتين مرتبطتين حصريا بالحركة الصهيونية و”إسرائيل”: الأولى هي أن إرهاب المستوطنين مرتبط عضويا وبالضرورة بمشروع استعمار-استيطاني توسعي (وسأعود لهذه النقطة لاحقا)؛ والثانية هي السياق القانوني لهذا الإرهاب الذي يتم تحت غطاء قوانين الفصل العنصري السائدة في المناطق الفلسطينية المحتلة.
إلى جانب ذلك -ولا يقل عنه أهمية- فإن استعارة مفردات الهولوكوست من شأنها أن تعطي انطباعا بأن أي حديث عن معاناة الفلسطينيين لا بد له من اكتساب شرعية دولية وبالذات في أوروبا من خلال استحضار هذه المفردات. وكأننا نسلم بأن اليهود (وإسرائيل بادعائها أنها الممثل الوحيد لمعاناتهم) هم من يحتكر رواية الالام وعذابات التمييز والملاحقة، ولا يجوز ذكر أية عذابات دون تبريرها باللجوء لمفردات الهولوكوست. من هذه الزاوية فإن ما حدث في حوارة يجب أن يوضع في سياقه التاريخي، وفي حاضر عذابات الفلسطينيين، وبلغة خاصة بالسردية الفلسطينية والنكبة المستمرة منذ قرن من الزمان.
إن المعاناة المستمرة للفلسطينيين، والتي تجلت في حوارة لم تكن حدثا معزولا، ولا ردة فعل على مقتل اثنين من المستوطنين في بلدة حوارة: إنها النتاج المنطقي الوحيد للتحولات الكمية التي طرأت على بنية وحجم الاستيطان في المناطق المحتلة في سنوات ما بعد “أوسلو”، حيث يبلغ عدد المستوطنات والبؤر الاستيطانية اليوم حوالي 200، بينما قفز عدد المستوطنين إلى حوالي 800 ألف، مقارنة بمئة وعشرون ألفا هو عددهم في العام 1992. أما نوعيا فقد تحولت معظم الضفة الغربية إلى حيز مكاني وجيو-سياسي يخضع بالكامل لسطوة المستوطنات المدعمة بمنظومة عسكرية وأمنية ولوجستية عملت على فصل الفلسطينيين عن أرضهم وحيزهم. وقد تعززت المنظومة لفعل التقسيم المفتعل للمناطق المحتلة إلى تصنيفات A,B,C.
هذ الملاحظة تصبح أكثر وضوحا إذا ما نظرنا إلى إرهاب المستوطنين باعتباره أحد أهم تمثلات عقيدة الاستعمار-الاستيطاني المشفوع بإيمان “توراتي” يستمد مقولاته من “سفر يهشوع”. ثمة تكامل صريح بين العنف والتوسع حيث تنطلق غالبية الهجمات الإرهابية من البؤر الاستيطانية و/أو المستوطنات التي يتمركز فيها المجموعات الإرهابية مثل مجموعات “تدفيع الثمن” و”فتية التلال”. وقد أشار إلى هذه الملاحظة تقرير لأوتشا (مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في المناطق المحتلة) والذي وثق في العام 2008 لوحده 131 من مجموع 290 هجوما إرهابيا للمستوطنين على شكل جماعات. وبينما تتوالى بيانات الإدانة للهجوم على حوارة من كل حدب وصوب فإن اللغة المستخدمة في هذه البيانات هي محاولات خطيرة للالتفاف على الطبيعة البنيوية لإرهاب المستوطنين. فعلى سبيل المثال يصف بيان ست دول أوروبية ما يحصل بأنه “العنف العشوائي للمستوطنين”، ويطالبون بمحاكمة المشاركين فيه. ومن جانبه وصف هادي عمرو الممثل الخاص للولايات المتحدة الأمريكية ما حدث في حوارة “بالعنف واسع النطاق وغير التمييزي”، وطالب بملاحقة قانونية للمستوطنين المتورطين فيه. وتدور معظم -إن لم يكن كل- الإدانات العربية والدولية في فلك ذات اللغة. فهل هي الاستجابة التي من شأنها أن تحدث تغييرا في ثنائية الإرهاب-الاستعمار المتصاعدة؟
دعونا نعاين السجل المفزع لإرهاب المستوطنين في أنحاء الضفة الغربية منذ أكثر من عقد من الزمن، ونسأل أين كانت هذه الإدانات، وماذا فعل المجتمع الدولي، وبخاصة حلفاء “إسرائيل” والمدافعين عنها في عواصم العالم الغربي. ولا يدور الحديث هنا عن مجرد نزعة إحصائية متصاعدة، بل عن ارتباطها بسياسة الدولة والحكومات المتعاقبة التي أنشأت الأساس القانوني والعسكري والأمني الذي حول الاستيطان والمستوطنين إلى “دولة”. فما يجري لا يمكن اعتباره عشوائي، أو فعل عصابات خارجة عن القانون، بل عملية منهجية تقع في صلب سياسات الدولة التي أقرت منذ العام 2018 قانون القومية العنصري، الذي لم تتقدم أي من الدول المعنية لإدانته أو المطالبة بإلغائه.
فمنذ العام 2008 بدأ عنف وإرهاب المستوطنين يأخذ منحى تصاعديا مع كل عام. ففي هذا العام (حسب مكتب أوتشا) حصل 290 هجوم إرهابي، وهو ما يفوق العامين 2006 و2007 مجتمعين. ووثق معهد “أريج” للبحوث التطبيقية 763 هجوما تم معظمها على أيدي مجموعات “تدفيع الثمن” في االعام 2014 من بينها 224 هجوما ضد مدنيين فلسطينيين باستخدام مختلف أنواع الأسلحة. وفي العام 2021 سجلت مؤسسة “مدار” ومنظمة “بيتسيلم” 410 هجمات مماثلة من بينها 108 ضد المدنيين، وبرزت من بين هذه الهجمات عمليات إطلاق النار بمن قبل المستوطنين لوحدهم أو بمشاركة الجيش على الفلسطينيين وتحديدا في هبة أيار 2021، حيث استشهد أربعة فلسطينيين من بين 11 شهيدا على يد المستوطنين. ومنذ بداية العام الحالي سجلت عدة جهات إعلامية وحقوقية وقوع 131 هجوما للمستوطنين وجلها ضد المدنيين وقع 21 منها في ليلة واحدة.
إن اللغة المائعة التي تستخدم لاستنكار الهجوم على حوارة، تخفي وراء العبارات الصارمة ظاهريا ذلك التخاذل المزمن والجبن السياسي في مواجهة سياسات الدولة في “إسرائيل” بوصفها هي التي أسست لهذا الإرهاب. فالمطالبة بملاحقة المشاركين في الهجوم على حوارة لا معنى لها، وبخاصة عقب إعلان الجهات المعنية في “إسرائيل” بأنها أطلقت سراح كل المشتبه بهم لعدم وجود أدلة. وفي هذه الإثناء لم تمنع هذه اللغة استمرار مسلسل الهجمات اليومية في غير مكان في كل أنحاء الضفة الغربية. ولا يبدو بأن الدول الأوروبية وواشنطن والعواصم العربية راغبة في مواجهة الحقائق، وتريد فحسب أن تمر هذه اللحظة بأقل قدر من الحَرَج، ودون تداعيات كبرى. وهو موقف مناقض تماما لتقديرات وتقارير الجهات الحقوقية الدولية ذات العلاقة.
تتحمل الدولة في “إسرائيل” المسؤولية الكاملة عن هذه الجرائم من زاوية القانون الدولي الإنساني الذي يلزمها بحماية المدنيين الفلسطينيين. وكقوة احتلال عسكري (ناهيك عن كونها نظام فصل عنصري) فإن “إسرائيل” تعتبر في حالة خرق مستمر وفظ لاتفاقية جنيف الرابعة، في حين تحول احتلالها إلى حالة دائمة وغير قانونية. وناهيك عن أن 90% من حالات التحقيق في جرائم المستوطنين تنتهي بإغلاق الملفات دون توجيه اتهامات، فإن تموضع المستوطنين في قلب استراتيجية التوسع والضم يجعل عنف المستوطنين عنف دولة، وليس عنف أفراد، وهو ما دفع السيدة فرانشيسكا ألبانيز مقررة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة اليوم إلى المطالبة بتحقيق دولي في الأحداث والأعمال الإسرائيلية كخطوة ضرورية لمحاسبتها ووضع حد لإفلاتها من العقاب حسب تعبير ألبانيز.
وقد تضمن تقارير دولية سابقة ذات التقديرات، واصفة السياسات الإسرائيلية باعتبارها نظام فصل عنصري، واحتلال دائم فقد صفته القانونية، واستعمار استيطاني يعمل منهجيا على حرمان الفلسطينيين من حقهم بتقرير المصير؛ هذا ما جاء على سبيل المثال في دراسة “مجلس بحوث العلوم الإنسانية” الصادر في العام 2009 والذي يفصل مظاهر الفصل العنصري والاستعمار الاستيطاني في الضفة الغربية، والتقرير الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 2022 (تقرير اللجنة الدولية المستقلة الخاصة بتقييم الأوضاع في المناطق الفلسطينية المحتلة. وأخيرا التقرير الذي أصدرته مقررة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في سبتمبر 2022.
إن التجاهل المتعمد للوضع القانوني والحقوقي في المناطق الفلسطينية المحتلة هو تواطؤ خطير ساهم في الإحساس الدائم بالحصانة الذي تتمتع به “إسرائيل”، وإذا ما اعتبرنا بأن هجوم حوارة هو بالون اختبار للمدى الذي من الممكن الذهاب إليه في توسيع نطاق وأشكال الإرهاب المسلط على الفلسطينيين، فإن ردود الفعل الباهتة هذه ستكون في صلب حسابات من يقف وراء هذه الهجمات للذهاب أبعد من حوارة، بخاصة في ظل الغياب التام لأية حماية للفلسطينيين في المناطق المستهدفة بكثافة من قبل المستوطنين حيث تتركز الهجمات في كل من الخليل ونابلس والقدس، وتحديدا في المناطق الريفية المعزولة والمحاطة بالمستوطنات والبؤر الاستيطانية. وطالما أن القانون الدولي معطل ولا يجري تفعيله ضد سياسات الدولة التي ترعى وتشجع وتمنح الحماية للمستوطنين فإن من غير المتوقع أن نشهد تراجع هوجات الإرهاب المنظم في كل أنحاء الضفة الغربية على يد المستوطنين المعززين بقوات الجيش الإسرائيلي وتحت حمايته، وبالذات في ظل التزايد الكبير لأعداد الضباط والجنود المؤيدين لقوى اليمين الفاشي والتيارات القومية-الدينية في أوساط المستوطنين حسب التقارير الاسرائيلية.
لقد تقبلت معظم الدول التي أدانت الهجوم على حوارة حكومة الفاشيين الجدد في “إسرائيل” وتتعامل معها كحكومة “شرعية” بحكم أنها منتخبة (لنتذكر بأن هتلر وصل إلى الحكم عبر صندوق الاقتراع) بالرغم من كل ما تمارسه من سياسات تمثل ضما بقوة القانون للضفة الغربية، وتوسع استيطاني على نطاق واسع، وعمليات قتل وجرائم، حيث تمثل هذه الحكومة الحلم الذي انتظره المستوطنون وهي تحقق لهم قائمة أمنياتهم. ولولا الجريمة في حوارة لمرت عملية منح الشرعية لتسع بؤر استيطانية قبل الجريمة وقرار بناء الاف الوحدات الاستيطانية مرور الكرام. واللغة الحادة لبعض الدبلوماسيين مثل وصف الناطق بلسان الخارجية الأمريكية لتصريحات بزلائيل سموتريتش (مطالبته بمسح حوارة عن الوجود) بأنها “غبية وبغيضة ومقززة ” لا ينطوي على أي جدية سياسية أو دبلوماسية ذات مغزى، ناهيك عن أن سموتريتش ليس غبيا بل هو في الأصل عضو منظمة إرهابية أصبح وزيرا وهو الحاكم الفعلي للضفة الغربية اليوم. والحال هذه فإن الأوضاع في الضفة الغربية بما فيها القدس ستشهد المزيد من عنف وإرهاب المستوطنين مالم يأخذ الفلسطينيون زمام الأمور بأيديهم للدفاع عن وجودهم وحماية قراهم وبلداتهم وحقوقهم في وجه دولة وحكومة ومستوطنين عازمين على محوهم عن الوجود.
– صحيقة الأيام
– ي.ك

