تعزيز الصمود.. ونموذج حوارة

تعزيز الصمود.. ونموذج حوارة
صلاح هنية
05 مارس 2023

بات ملحّاً التركيز على عوامل الصمود والتمكين في ضوء الوضع الذي نمر به هذه الأيام، وهذا الموضوع ليس بدعة وليس اختراعاً جديداً، بل هو امتداد لرؤى متعاقبة لمكونات فلسطين على المستويات كافة، ولكن ترجمتها تتفاوت من مرحلة الى أخرى، تارةً تنكمش وتتراجع وتارةً تصبح شعاراً لكي نتخطى مرحلة معينة ونعود الى ما كنا عليه.

عساني أخطئ التقييم إن حصرت الموضوع في حوارة وما وقع فيها من جرائم حرب بالحرق والتدمير، ولكن واقع الحال يشير الى أننا لا يجوز لنا ان يُستفرد في كل بلدة أو مدينة لوحدها، وبقية المجتمع يجتهد لينتصر فلا يجد حلاً الا أن يتساءل عبر مواقع التواصل الاجتماعي أين الحكومة؟ أين الفصائل؟ أين المزارعين؟ ونبيت في سبات ونبات بعد أن نشبع اخباراً عاجلة منها ما يحتاج الى «تحقق» وأيضاً «كاشف».

المطلوب وباختصار شديد استراتيجية وطنية للتمكين والصمود تؤسس على ما سبقها ولا تنفيه، وليست بحاجة لإجراء احتفالي استعراضي يفقدها أهميتها، ففي الاحتفالات التي سبقت بقينا بانتظار السفراء والقناصل الاجنبية ما يزيد على نصف ساعة ويزيد عن الموعد وخرجنا، ولم يضع أحد تلك الوثيقة مرجعية للعمل، ولم تتم الإشارة إليها في الكثير من الفعاليات الرسمية على الاقل، تلك الاستراتيجية يجب ان تكون معبّرة عن المخيمات والاغوار والمناطق المحاطة بالاستيطان والمستوطنين والمستهدفة بالاحتلال ومعبرة عن الكل الفلسطيني، لتصبح حوارة ليست استثناء.

التمكين والصمود يعني أن لا ننتظر قراراً احتلالياً بموعد فتح محلات الشارع الرئيسي في حوارة، وأن نصدر قراراً وطنياً بتعزيز الاعتماد على الذات وتمكين الاقتصاد الوطني واتخاذ قرار جماهيري واضح جلي بالانفكاك عن الاقتصاد الإسرائيلي بتعزيز تنمية القطاعات الانتاجية، وتعزيز المجالس التي تحمل صفة التمكين الاقتصادي سواء تنمية الصادرات، أو تعزيز المنتجات الفلسطينية، أو القطاع الزراعي، وغيرها.

اليوم يجب أن نجسد مفهوم «المواطن أولاً» وأساس كل شيء في التمكين والصمود، ولا يجوز أن يكون رقماً وليس مكوناً من الاستراتيجية والرؤية، هذا المواطن يحتاج أن يتنامى شعوره أنه مكون حقيقي من عوامل الصمود والتمكين، دون أن يستنفذ ولا يرى أي تجسيد بالمطلق باتجاه تعزيز الصمود، بحيث تتحول المؤسسة الرسمية الحكومية والمؤسسات شبه الحكومية ومؤسسات العمل الاهلي والاتحادات الشعبية والنقابات المهنية الى براغٍ في مسيرة الصمود والتمكين، منطلقين من الاستراتيجية الوطنية وكل قطاع يحمل مسؤوليته، وهنا لا يجوز أن يقول قطاع اقتصادي «نحن استثناء لحساسية موقفنا من حيث الإجراءات المعتمدة عالمياً علينا»، ومن ثم تبلغنا شركات اخرى محاذيرها، وهكذا دواليك، فنعود للبداية.. الوطن والصمود من مسؤولية فئة والبقية المتبقية تتابع الأخبار العاجلة.

في مرحلة إستراتيجية الصمود والتمكين يجب أن يكون ممارسة النقد الذاتي الموضوعي ممكناً ومحبباً، ولا يُعقل بعد كل مفصل من مفاصل قضيتنا أن نقف ونمارس النقد الذاتي، فقد حوصرت نابلس وعُزلت عن العالم الخارجي وذهب تجاهها من ذهب، ولكن لم يكن هناك فعلاً تقييم قائم على النقد الذاتي الموضوعي لماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ واليوم احترقت حوارة وعوقبت تجارياً واقتصادياً، فهل استخلصنا العبر وأسسنا على ما عشناه لتكون لدينا ادوات واضحة لتعزيز الصمود؟ وهل لدينا خطة استباقية لكل المناطق أم أننا سنمارس ذات التمرين: زيارات ما بعد الحدث ووعود باصلاح الاضرار وتعويضات؟ ويصرخ البعض عبر مواقع التواصل الاجتماعي ( تبرعات تبرعات )، ونرد بصوت مرتفع ضد تصريحات احتلالية بمحو حوارة عن الوجود، وأخال إن استمر غياب الاستراتيجية والرؤية سنظل ندور في ذات الدائرة.

المطلوب أكثر بكثير من المناكفة وتسجيل المواقف على حساب شعب يتم حرق ممتلكاته وتشريده من منازله في مشهد يفضي الى أن «النكبة فعل مستمر»، ولعل تشرذمنا واختلافنا واختراع الخلافات التي تكون غير مرئية لنسقط معاً جميعنا عوامل الصمود والتمكين ومن ثم نتباكى جميعاً على ما صنعناه بأيدينا.

 

  • صحيفة الأيام
  • ي.ك