صورة جوّية لقلبي

صورة جوّية لقلبي
زياد خدّاش
14 فبراير 2023

أرسل لي صديق مفاجأة لم أتوقعها، ولم أفكر بها في الحياة قط، صورة جويّة عن قرية بيت نبالا المهجرة/ قضاء الرملة، هذه الصورة هي ضمن عشرات الصور الجوية لـ (قرى المركز) كما تسميها إسرائيل، وفي تفاصيل الصور، المكتوبة ثمة رقم  لكل صورة قرية، زمن الصورة هو ١٩٤٠، وهي فترة مهمة جداً في تاريخ الصراع بين أهل البلاد وغزاتها.

في كل محاولاتي الأدبية والحلميّة العادية لم أنجح في تخيّل قريتي التي تقع على سفح تل في نهاية المنحدرات الغربية لجبال القدس، وينبسط أمامها السهل الساحلي الممتد إلى البحر، ويبعد عنها مطار اللد إلى الغرب وعلى خط مستقيم حوالى خمسة كيلومترات.

كنتُ كتبتُ كثيراً عن قريتي المهجّرة، أخذتُ عمتي حليمة إلى هناك؛ لنبحثَ معاً عن آثار بيتنا، لم نجد آثاراً، وجدنا أربع آبار، أصرّت عمتي أن تراها؛ لتعرف موقع البيت، وهذا ما حصل، ركضت عمتي فوق الهضبة كالأطفال، ونسيت أنّها مريضة بوجع المفاصل، وهشاشة العظام.

رأيتُ صورة القرية وهي تأنّ تحت محاولات المحو، ابتعدتُ عن عمتي والأصدقاء، وصعدتُ تلاً قريباً، نظرتُ إلى تحت، كانت القرية عبارة عن مرتفع لا حجارة فيه ولا أشجار، عارٍ تماماً إلا من بناء المدرسة الابتدائية التي حوّلها الأعداء إلى مكاتب لوزارة الزراعة الإسرائيلية، أغمضتُ عيني، حاولتُ الرجوع إلى ما قبل محاولات المحو، استعنتُ بخيالي، وبعض المعلومات والصور على الشبكة، لم أستطع أن أستعيد القرية بكل دخان طابونها، وروائح ليمونها، وأصوات فجرها.

وفي كل القصص القصيرة التي كتبتها عن القرية محاولاً استرجاع شكلها ووجهها، لم أنجح في تمثّل الإحساس بأنني أمام القرية كاملة دون أن ينقص منها حبة مطر، ومع الصورة الجوية التي أرسلها صديقي وهي من أرشيف عصابة (الهاغاناه) المتاح بعضه على الشبكة، شعرتُ كمن اخترق الزمن، وعاد إلى (البلد،) (كما يحب اللاجئون أن يسموا قراهم)، جلسات طويلة أمضيتُها أقرّب تفاصيل الصورة من شاشة (موبايلي)، رأيتُ أشجار زيتون وكسّارات وآباراً وبيوتاً وطرقاً ترابية ومدرسة وبيارات، وأردت أن أصدق أني رأيتُ خيوط دخان ترتفع من أعلى التلة، إنه دخان طابون ستي مريم.

عام ١٩٤٠ كان جدي خليل شاباً صلباً كما يقول أبي، يعمل في بيارته، ويزرع السمسم والفول، ويعتني بأبنائه محمود وإبراهيم ومصطفى وحسن وآمنة وفاطمة وحليمة ونعمة وزينب.

آآآآه، كيف يمكن السقوط على قريتي من (موبايلي)؟؟؟، أمشي في حواريها، وأصافح الناس المذهولين من شكلي وملابسي، وجهاز غريب أحمله في يدي، وأصوّبه نحوهم، كيف أستطيع إقناعهم أني من هذه البلدة، وأنّ جدي اسمه خليل أبو ناعمة، وأنني أبحث عنه الآن، قال لي شاب يجلس قرب حماره: “خليل أبو ناعمة دارو فوق، ظَلَّك طالع دُغري بتلاقيه بزرع ( الفول الهيني)”.

تجوّلتُ في بلدتي الجميلة في هذا اليوم الماطر، صافحتُ كثيراً من الشباب الذين سأصافحهم مرة أخرى في شيخوختهم التي يعيشونها الآن في مخيم الجلزون، أحدهم التسعيني خالي محمد أمين (أبو الأمين)، اقتربتُ منه، كان يعمل كاتباً في المعسكر الإنجليزي المسمى (الكمب) باللهجة الشعبية النبالية، والمقام قرب مدرسة المخيم..

– سألته: كيف حالك يا خالي؟ أنا ابن مصطفى أبو ناعمة (أبو زياد)، بدا على وجهه الاستغراب.
– مصطفى أبو ناعمة؟! من أبوه ؟.
– خليل أبو ناعمة جدي.
– لكن مصطفى عمره سنة واحدة الآن يا شاب، هل تمزح معي؟
– قلتُ له: سيكبُر مصطفى يا خال فيما بعد وسأصير ابنه.
– نظر إليّ نظرة ساخرة، ثم أشار بيده نحوي وقال: اذهب..اذهب، أنت مجنون فعلاً.
خرجتُ من (الموبايل من قريتي) منهكاً، لاهثاً، راكضاً، وخلفي تركض صيحات ومطاردات أطفال قريتي الذين ظنوني كائناً فضائياً، اعتدلتُ في جلستي، اتصلتُ بكمال أمين، صديقي المقرّب، وقلت له: هيّا نذهب إلى الخال محمد أمين (وهو عم كمال) أمام الخال في بيته في البيرة كنتُ مضطرباً أصافحه، وقال لي:
– “مالك يا خالي، ليش وجهك هيك؟”
– لا شيء يا خال، فقط أردتُ أن أقول لك: أنني سعدت جداً بزيارتك أمس في بيت نبالا، وأنت تعمل كاتباً في المعسكر الإنجليزي (الكمب) قرب مدرسة بلدتنا، وسعدتُ جداً لأن قبضة يدك ما زالت بنفس القوة يا خال.
– ابتسم الخال: شو هاي قصة جديدة يا زياد؟
– لا يا خال، هذا إحساس جديد، بَحاول أعبر عنه، لأني فعلاً امبارح كنت بالبلد، وشفتك وإنت بتِتْجادَل مع مديرك الإنجليزي، وبتبهدلو  وبتقلّو: اسمع أنا نبالي، تِجيش فيّي!
– هاظ أي سنة يا زياد الحكي صار؟
– أجبته: أول أمس ٢/٦/١٩٤٠. توسعت ابتسامة الخال التسعيني، وربّت على كتفي وقال:
–  آه قصدك مستر ألبرت هوم؟
– آه هو.
– حيوان هذا، كان يحاول يحسسني إنه هو المسؤول. طب إنت ليش ما ميّلِت اتغدّيت عِنا، كنت مِستعجِل ومضطرب..
-كنت معزوم عند أبوي مصطفى على مسخَّن.
-قصدك مصطفى اللي عمرُه سنة؟

 

  • صحيفة الأيام
  • ي.ك