أتيحت لي الفرصة مؤخرا لمشاهدة فيلم وثائقي قصير بعنوان ” زيت مر” وهو أول تجربة اخراجية للصحفي محمد اشتية ابن قرية سلفيت وفيه يرصد معاناة المزارعين في اراضيهم خلف الجدار الفاصل. جاءت الفكرة خلال مرافقة الصحفي اشتية على مدى سنوات فاقت العشرين عاما المزارعين كونه يملك ارضا مزروعة بالزيتون في المنطقة الشمالية من سلفيت وكان يعايش ما يكابده المزارعون من مشقة خلال موسم الزيتون وما يتجرعونه من ألم لما تتعرض له اراضيهم من تدمير كبير، حيث شرع الاحتلال بإنشاء حي جديد لمستوطنة ارائيل مما ساهم بزيادة وتيرة اعتداءات المستوطنين وسرقتهم محصول الزيتون وقيامهم بتكسير اشجار الزيتون وتقطيعها.
مما لاشك فيه ان الفيلم ينقل صورة مصغرة عن واقع الحال بالنسبة للمزارعين في الضفة الغربية وما يحويه من مشاهد حقيقية وقد تم تصويره على مدار عامين من خلال تتبع رحلة معاناة يومية وخلال موسمَي الزيتون.
لفتني الفيلم الوثائقي القصير والمميز الذي تشعر معه بمعاناة حقيقية كأنك تعيش مع هؤلاء المزارعين وتشعر بجهد صناع الفيلم في نقل تلك المعاناة، ومحمد اشتية قد تم تصنيفه في العام 2020 كثاني أفضل اعلامي عربي في بريطانيا، ويعجبني ويشدني بشكل كبير كل ما يصوره من خلال حسابه الخاص على الفيس بوك حيث ينقل للجيل الجديد مأكولات مستنبطة من باطن الأرض، وخصوصا من سلة فلسطين الخضراء وهي سلفيت التي تعتبر جنة من الجنان في الأرض، وتذهلك هذه الأكلات والطبخات التي تعدها النساء في تلك المنطقة أو البلدة وحيث يستخرجن من أعشاب وخضار وفاكهة ذات مسميات غريبة أكلات تصلح لجميع الوجبات، بل ويصنعن الحلوى أيضا.
العودة لجذور الأرض والتمسك بالأرض ليس بالأمر الهين، هذا ما تلمسه في بلدة سلفيت بالتحديد سواء من خلال ما صوره الفيلم الوثائقي القصير والموجع الذي أتمنى ان يجوب العالم ليفضح ممارسات الاحتلال، او من خلال ما نراه بشكل يومي من خلال كفاح الامهات والجدات في تلك البلدة الزراعية وحيث تبهرك النساء رغم تقدمهن في السن باصرارهن وتشبثهن بالأرض وبكل ما تجود به واصرارهن على الحياة رغم قسوتها.
تكتشف يوما بعد يوم ان هذا الشعب هو شعب مقاوم بطبعه منذ قديم الزمن، وهو شعب مجاهد ومناضل بكل الصور سواء من خلال مقاومة الاحتلال الذي يستولي على الأرض ويقيم فوقها المستعمرات ويحاول تقليص الاراضي الزراعية المخصصة لأشجار الزيتون رمز الصمود ورمز القضية الفلسطينية، ومن خلال الاسرى الذين يخوضون معاركهم في السجون سواء بالتصدي للتنكيل ورفض القمع والاذلال وخوض معارك الاضراب عن الطعام وكذلك الاصرار على الحياة رغم كل ما يؤدي إلى الموت في تلك السجون، ولك ما لمسناه وبكل قوة من خلال رحلة السجن والقضبان لعميد الأسرى كريم يونس الذي خرج من السجن بعد اربعين عاما تغيرت خلالها الدنيا في الخارج ودارت دورة الزمن دورة رهيبة جعلته بحاجة لكي يلتقط انفاسه لكي يستوعب ماذا حدث في الخارج في غيابه.
ان المعارك التي يقودها ويخوضها هذا الشعب برجاله ونسائه هي معارك تنحني لها الهامات وان كانت لم تجسد من خلال الاعمال الفنية سواء السينما تمثيلا او توثيقا هي معارك تستحق ان تخصص لها ميزانيات ضخمة لكي تصبح معروفة ومحفوظة للجيل الجديد الذي لا يعرف كثيرا عن بلدة اسمها سلفيت، ولا يعرف عن ثمار واشجار واعشاب تنبت هناك ومن الممكن ان يمر عنها أي انسان دون ان يهتم بها، لكن هناك ايد معروقة مبللة بالطين وماء الارض الطيبة تقطفها وتعد منها أكلات ووجبات تستحق النشر، لنتعلم منها كيف يمكن ان ندير البيوت ونملأها بالطعام رغم ضعف الامكانيات وقلة المال، فكل شيء كانت امهاتنا يجدن له ألف حل وكل محاولة للقمع كان رجال فلسطين ولا يزالون لها بالمرصاد والمقاومة في ثبات.
- صحيفة الأيام
- ي.ك

